الحلبي
176
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
« ألا أخبرك بأشقى الناس أجمعين : عاقر الناقة والذي يضربك على هذا ووضع يده على قرن رأسه ، فيخضب هذه ووضع يده على لحيته » وفي رواية « أشقى الأولين عاقر ناقة صالح ، وأشقى الآخرين قاتلك » . وفي رواية « أنه صلى اللّه عليه وسلم قال يوما لعليّ كرم اللّه وجهه من أشقى من الأولين ؟ فقال عليّ : الذي عقر الناقة يا رسول اللّه قال : فمن أشقى الآخرين ؟ قال عليّ : لا علم لي يا رسول اللّه قال : الذي يضربك على هذه وأشار إلى يافوخه » وكان كما أخبر صلى اللّه عليه وسلم ، فهو من أعلام نبوته . فإنه لما كان شهر رمضان سنة أربعين صار يفطر ليلة عند الحسن ، وليلة عند الحسين وليلة عند عبد اللّه بن جعفر ، لا يزيد في أكله على ثلاث لقم ويقول : أحب أن ألقى اللّه وأنا خميص ، فما كانت الليلة التي ضرب صبيحتها أكثر الخروج والنظر إلى السماء ، وجعل يقول : واللّه إنها الليلة التي وعدت ، فلما كان وقت السحر وأذن المؤذن بالصلاة خرج إلى المسجد فأقبل الإوز الذي في داره يصحن في وجهه فمنعهن بعض نساء أهل بيته ، فقال : دعوهن فإنهن نوائح ، فلما دخل المسجد أقبل ينادي « الصلاة الصلاة » فشد عليه عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه اللّه من طائفة الخوارج ، فضربه الضربة التي أخبر بها صلى اللّه عليه وسلم ، وعند ذلك شد عليه الناس من كل جانب فطرح عليه رجل قطيفة ثم طنبوه وأخذ السيف منه ، وقالوا له : يا أمير المؤمنين خلّ بيننا وبين مراد ، يعنون قبيلة الرجل الذي ضربه ، فقال : لا ، ولكن احبسوا الرجل ، فإن أنا مت فاقتلوه ، وإن أعش فالجروح قصاص . فحبس . فلما مات رضي اللّه تعالى عنه غسله الحسن والحسين وعبد اللّه بن جعفر ، ومحمد ابن الحنفية يصب الماء ، وكفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة ، وصلى عليه الحسن وكبر عليه سبعا ، ودفن ليلا ؛ قيل بدار الإمارة بالكوفة ، وقيل بغير ذلك ، وأخفي قبره لئلا تنبشه الخوارج . وقيل حملوه على بعير ليدفنوه مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فبينا هم في مسيرهم ليلا إذ ندّ البعير الذي عليه فلم يدر أين ذهب . ومن الناس من يزعم أنه انتقل إلى السماء ، وأنه الآن في السحاب . ولما أصيب كرم اللّه وجهه دعا الحسن والحسين رضي اللّه تعالى عنهما فقال لهما : أوصيكما بتقوى اللّه ، ولا تبغيا الدنيا ، ولا تبكيا على شيء زوى منها عنكما ، وقولا الحق فلا تأخذكما في اللّه لومة لائم . ثم نظر إلى ولده محمد ابن الحنفية فقال : هل حفظت ما أوصيت به أخويك ؟ فقال نعم ، فقال : أوصيك بمثله ، وأوصيك بتوقير أخويك لعظم حقهما عليك ، ولا ترينّ أمرا دونهما ، ثم قال : أوصيكما به فإنه أخوكما وابن أبيكما وقد علمتما أن أباكما كان يحبه ، ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا اللّه إلى أن قبض ، فلما قبض أخرج الحسن رضي اللّه تعالى عنه ابن ملجم من الحبس وقتله .