الحلبي

117

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

عائشة استأذنته في ذلك وذكرت له حالهم قبل دخوله بها لأنها كانت معقودا عليها ، ولعل الصديق كان في غير بيت أم عائشة . والذي في تاريخ الأزرقي عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت « لما قدم المهاجرون المدينة شكوا بها ، فعاد النبي صلى اللّه عليه وسلم أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه ، فقال : كيف تجدك ؟ فأنشده ما تقدم ، ثم دخل على بلال فقال : كيف تجدك يا بلال ؟ فأنشده ما تقدم ، ثم دخل على عامر بن فهيرة فقال : كيف تجدك يا عامر ؟ فأنشده ما تقدم » ولا مانع من التعدد فليتأمل . وحين ذكرت عائشة رضي اللّه تعالى عنها له ذلك نظر إلى السماء ، أي لأنها قبلة الدعاء وقال « اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد » وفي رواية « وأشدّ وبارك لنا في مدّها وصاعها ، وصححها لنا ثم انقل وباءها إلى مهيعة » أي الجحفة كما في رواية . وهي قرية قريبة من رابع محل إحرام من يجيء من جهة مصر حاجا ، وكان سكانها إذ ذاك يهود . ودعاؤه صلى اللّه عليه وسلم أن يحبب إليهم المدينة إنما هو لما جبلت عليه النفوس من حبّ الوطن والحنين إليه ، ومن ثم جاء في حديث « أن عائشة رضي اللّه تعالى عنها سألت رجلا بحضور رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قدم المدينة من مكة ، فقالت له : كيف تركت مكة ؟ فذكر من أوصافها الحسنة ما غرغرت منه عينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : « لا تشوقنا يا فلان » وفي رواية « دع القلوب تقر » . أقول : ودعاؤه صلى اللّه عليه وسلم بنقل الحمى كان في آخر الأمر ، وأما عند قدومه صلى اللّه عليه وسلم المدينة فخير بين الطاعون والحمى : أي بقائها ، فأمسك الحمى بالمدينة وأرسل الطاعون إلى الشام كما جاء في بعض الأحاديث « أتاني جبريل بالحمى والطاعون ، فأمسكت الحمى بالمدينة ، وأرسلت الطاعون إلى الشام » وقولنا أي بقائها ردّ لما قد يتوهم من الحديث أن الحمى لم تكن بالمدينة قبل قدومه صلى اللّه عليه وسلم إليها ، وإنما اختار الحمى على الطاعون لأنه كان حينئذ في قلة من أصحابه ، فاختار بقاء الحمى لقلة الموت بها غالبا بخلاف الطاعون . ثم لما أحتاج للجهاد وأذن له في القتال ووجد الحمى تضعف أجساد الذين يقاتلون دعا بنقل الحمى من المدينة إلى الجحفة ، فعادت المدينة أصح بلاد اللّه تعالى بعد أن كانت بخلاف ذلك ، كذا قيل فليتأمل . فإنه يقتضي أن الحمى لما نقلت إلى الجحفة لم يبق منها بقية بالمدينة ، وهو الموافق لما يأتي عن الخصائص ، وحين نقلت الحمى إلى الجحفة صارت الجحفة لا يدخلها أحد إلا حم ، بل قيل إذا مر بها الطائر حم . واستشكل حينئذ جعلها ميقاتا للإحرام ، وقد علم من قواعد الشرع أنه صلى اللّه عليه وسلم لا يأمر بما فيه ضرر .