الشيخ محمد الصادقي الطهراني
15
تاريخ الفكر والحضارة
3 - الفكر الحضارى : الحضارة لغوياً هي الإقامة في أي المدن والقرى ، بخلاف البدائة ، إذا فهي الاستقرار الذي ينشاء عن زارعة الأرض وألوان الصناعات وبناية البنايات ، وهو السبيل الذي تنفسح فيه لأبناء المجتمع مجالات التطور ؛ فإذا ولجوها تقدموا في فنون اكتساب العيش . وهي عند ابن خلدون طور طبيعي أو جيل من أجيال طبيعية في حياة المجتمعات المختلفة ، وهكذا البداءة . ولكن البداءة أقدم ، وأصل الحضر والحضارة غاية للبدواة ، وترادف الحضارة المدينة . هذا : ولكن علينا في نطاق البحث عن الحضارة الإنسانية الفكرية أن نتوسع في معناها إلى النواحي الروحية المعنوية أيضاً وبالأحرى ، إذ أنّ الحضارة التي تعنى تقدم الإنسان لابدّ وإن تعنى التقدم الروحي ، أي التقدم في إنسانية الإنسان لا الناحية الحيوانية منه فحسب ؛ فالحضارة الإنسانية هي تطبيق الإنسان نفسه على حاضر الواقع الحيوي وما يحتاجه في شتى مجالات الحياة الإنسانية بمعناها الصحيح ؛ فبالرغم من أنّ الحضارة المادية هي غاية العمران ، واخيراً هي مبعث الفساد والانهيار ، فإنّ الحضارة الإنسانية غايتها الكمال الإنسانى والتقدم إلى كل ازدهار في الحياة ، لا الانهيار ، ولو أنّ الحضارة قورنت في مصداقيها المادية والمعنوية - واعتبرت المعنوية حجر الأساس ، لم تكن النتيجة الحاصلة عنها الانهيار والبوار . فنحن إذ نبحث عن الحضارة لايتوجب علينا أن تتجمد على المعنى اللغوي أو الاصطلاحي ، إنّما علينا أن ننظر من وراء هذه الكلمة إلى المفهوم التقليدى لها ، أي إلى خصائص التقدم في المجتمعات التي ندعوها متحضرة ، وهذه الخصائص تنقسم إلى روحية ومادية ، وإلى فردية وجماعية .