تقرير بحث السيد كمال الحيدري لعلي حمود عبادي
77
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية )
الجواب على شبهة البداء بناءً على ما تقدّم يتّضح عدم الإشكال في إمكان النسخ ؛ لأنّ الأحكام تابعة في تشريعها للمصالح والمفاسد الواقعية ، وهي تتغيّر باختلاف الأزمان بلحاظ خصوصيات أهلها ومقدار ما قدّر لهم من العقل والكمال وحاجتهم إلى ما يهديهم ويرشدهم إلى الفلاح قدر استعدادهم . فلأجل ذلك ربما يكون جعل حكم للبشر ذا مصلحة إلى زمان معيّن ، دون ما بعده من الأزمنة المتأخّرة المقتضية لمصالح أخرى ، فيرتفع أمد ذلك الحكم الأول ، ويجعل لمن بعدهم حكم آخر حسب ما تقتضيه مصالحهم . وكلّ ذلك معلوم لذات الباري قبل تشريع الحكم الناسخ والمنسوخ كليهما . ومن هنا ترتفع شبهة البداء المستحيل التي استشكل بها اليهود والنصارى ؛ بدعوى استلزام النسخ تطرُّق الجهل إلى ذات الباري تعالى ؛ لما تقدّم من أن النسخ في الحقيقة هو مقتضى حكمته تعالى ، وليس لجهله تعالى بأمد الحكم ودوام مصلحة تشريعه حتى يستحيل ، فلا ريب في إمكان النسخ ، ولا يلزم منه البداء المستحيل . قال أبو هلال : ) والبداء أصله الظهور . تقول : بدا لي الشيء : إذا ظهر ، وتقول : بدا لي في الشيء ، إذا ظهر لك فيه رأي لم يكن ظاهراً لك ، فتركته لأجل ذلك . ولا يجوز على الله البداء ؛ لكونه عالماً لنفسه . وما ينسخه من الأحكام ويثبته إنما هو على قدر المصالح ، لا أنه يبدو له من الأحوال ما لم يكن بادياً . والبداء هو أن تأمر المكلّف الواحد بنفس ما تنهاه على الوجه الذي تنهاه عنه والوقت الذي تنهاه فيه عنه . وهذا لا يجوز على الله ؛ لأنّه يدلّ على التردّد في الرأي ( « 1 » . موارد وقوع النسخ في الشريعة الإسلامية لا خلاف بين الفريقين في الجملة في وقوع النسخ في الشريعة الإسلامية ،
--> ( 1 ) معجم الفروق اللغوية : ص 538 . الرقم 2165 .