تقرير بحث السيد كمال الحيدري لعلي حمود عبادي

222

شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية )

ومن هنا يبرزُ السؤالُ التالي : كيف نستطيعُ أن نميّزَ بينَ الحيثيّةِ التعليليةِ والحيثيّةِ التقييديةِ المقوّمةِ لمعروض الحكم ؟ فقد يُقال : بأنّ مرجعَ ذلك هو الدليلُ الشرعيُّ لأنّ أخذَ الحيثيةِ في الحكمِ ونحوَ هذا الأخذِ تحتَ سلطانِ الشارع ، فالدليلُ الشرعيُّ هو الكاشفُ عن ذلك . فإذا وردَ بلسانِ « الماءُ إذا تغيّرَ تنجّسَ » فهمنا أنّ التغيّرَ اتّخذَ حيثيةً تعليلية . وإذا وردَ بلسان « الماءُ المتغيّرُ متنجّسٌ » فهمنا أن التغيّر حيثيةٌ تقييدية ، وعلى وزان ذلك « قلّدِ العالمَ » أو « قلّده إن كان عالماً » وهكذا . والصحيحُ : أنّ أخذَ الحيثية في الحكم بيد الشارع ، وكذلك نحوُ أخذها في عالم الجعل ، إذ في عالم الجعلِ يستحضرُ المولى مفاهيمَ معيّنةً كمفهوم الماء والتغيّرِ والنجاسة ، فبإمكانه أن يجعلَ التغيُّرَ قيداً للماء ، وبإمكانه أن يجعلَهُ شرطاً في ثبوتِ النجاسةِ تبعاً لكيفيةِ تنظيمِه لهذه المفاهيم في عالم الجعل ، غيرَ أنّ استصحابَ الحكم في الشبهاتِ الحكميةِ لا يجري بلحاظ عالمِ الجعلِ بل بلحاظِ عالمِ المجعول ، فينظرُ إلى الحكم بما هو صفةٌ للأمر الخارجيِّ لكي يكونَ له حدوثٌ وبقاءٌ كما تقدّم . وعليه فالمعروضُ محدّدٌ واقعاً ، وما هو داخلٌ فيه وما هو خارجٌ عنه لا يتبعُ في دخولِه وخروجِه نحوَ أخذِه في عالم الجعل ، بل مدى قابليتِه للاتّصافِ بالحكم خارجاً ، فالتغيُّر مثلًا لا يتّصفُ بالنجاسةِ والقذارةِ في الخارج بل الذي يوصَفُ بذلك ذاتُ الماء ، والتغيُّرُ سببُ الاتّصاف ، والتقليدُ وأخذُ الفتوى يكونُ مِن العالمِ بما هو عالمٌ أو مِن علمِه بحسب الحقيقة . فالتغيُّرُ حيثيةٌ تعليليةٌ ولو أُخذت تقييديةً جعلًا ودليلًا ، والعلمُ حيثيةٌ تقييديةٌ لوجوبِ التقليدِ ولو أُخذَ شرطاً وعلّة جعلًا ودليلًا .