تقرير بحث السيد كمال الحيدري لحيدر اليعقوبي

188

شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي )

الأوامر الإرشادية ومهما يكنْ فالأصلُ في دلالةِ الأمرِ أنه يدلُّ على طلبِ المادّةِ وإيجابها ، ولكنه يُستعملُ في جملةٍ مِن الأحيانِ للإرشادِ ، فالأمرُ في قولِهم ( استقبلِ القبلةَ بذبيحتِكَ ) ليس مفادُه الطلبَ والوجوبَ ؛ لوضوحِ أنَّ شخصاً لو لم يستقبلِ القبلةَ بالذبيحةِ لم يكنْ آثماً ، وإنّما تحرُمُ عليه الذبيحةُ ، فمفاد الأمرِ - إذن - الإرشادُ إلى شرطيةِ الاستقبالِ في التذكية ، وقد يعبَّرُ عن ذلك بالوجوبِ الشرطيِّ ، باعتبارِ أنَّ الشرطَ واجبٌ في المشروط . والأمرُ في ( اغسلْ ثوبَك مِنَ البول ) ليس مفادُه طلبَ الغسلِ ووجوبَه ، بل الإرشادُ إلى نجاستِه بالبولِ وأنَّ مطهِّرَهُ هو الماء . وأمرُ الطبيبِ للمريض باستعمالِ الدواءِ ليس مفادُه إلا الإرشادَ إلى ما في الدواءِ مِن نفعٍ وشفاء . وفي كلِّ هذه الحالاتِ تحتفظُ صيغةُ الأمرِ بمدلولِها التصوّريِّ الوضعيِّ ، وهو النسبةُ الإرساليةُ ، غيرَ أنَّ مدلولَها التصديقيَّ الجدّيَّ يختلفُ مِن موردٍ إلى آخر . وكلُّ ما قلْناه في جانبِ مادّةِ الأمرِ وهيئتِه والجملةِ الخبريةِ المستعملَةِ في مقامِ الطلبِ ، يقالُ عن مادَّةِ النهيِ وهيئتِه والنفيِ الخبريِّ المستعمَلِ في مقامِ النهيِ ، غيرَ أنَّ مفادَ الأمرِ طلبُ الفعلِ ، ومفادَ النهيِ الزجرُ عنه . وكما توجدُ أوامرُ إرشاديةٌ توجدُ نواهٍ إرشاديةٌ أيضاً ، والمرشَدُ إليه : تارةً يكون حكماً شرعياً ، كالمانعية في ( لا تصلِّ فيما لا يُؤكلُ لحمه ) وأخرى نفيَ حكمٍ شرعيٍّ مِن قبيلِ ( لا تعملْ بخَبرِ الواحد ) فإنه إرشادٌ إلى عدمِ الحكمِ بحجّيَّتِه . وثالثةً يكون المرشَدُ إليه شيئاً تكوينياً ، كما في نواهي الأطبّاءِ للمريضِ عَنِ استعمالِ بعضِ الأطعمةِ إرشاداً إلى ضررِها .