تقرير بحث السيد كمال الحيدري لحيدر اليعقوبي
40
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي )
ولو قيل : لماذا يتحرّك القاطع لتحصيل الماء مثلًا في المكان الذي قطع بوجوده فيه ، بالرغم من أنّ الحاصل عنده هو المعلوم بالذات الذي هو الصورة الذهنية وليس المعلوم بالعرض الذي هو الواقع الخارجي ؟ ومن الواضح أن الذي يلبّي حاجة الإنسان وغرضه هو الواقع دون الصورة . قلنا : « إنّ الإجابة عن ذلك تستلزم الإشارة إلى نكتتين : الأولى : إنّ الإنسان دائماً يعطي حكم المعلوم بالعرض الخارج إلى المعلوم بالذات . فرفع العطش وإن كان من أحكام الماء في الخارج وليس من آثار الماء في الذهن ، لكن القاطع يعطي هذا الحكم إلى الصورة الذهنية للماء . وإذا أُلحق خصوصية المعلوم بالعرض بالمعلوم بالذات ، فسوف تحرّك الإنسان لتحصيله خارجاً . والسبب كما ثبت في نظرية المعرفة : أنّ القاطع يعتقد دائماً أنّ علمه الجزميّ مصيب للواقع ، وبذلك يثبت حكم أحدهما للآخر . الثانية : إنّ السبب وراء تحرّك الإنسان نحو الماء في الواقع الخارجي ، يعود إلى أمر فطري في الإنسان ، وهو حبّه لذاته ، وحيث إنّ الماء يؤمّن له ذاته ويحفظها ، فيتحرّك نحو تحصيل شربه خارجاً . وهذا الأمر الفطري يقوم بدوره في تحريك الإنسان لتحصيل كلّ ما يوافق طبع الإنسان في مرتبة من مراتب وجوده العقلية أو الحسّية أو غيرهما ، ولا ربط لهذه المقتضيات بباب الحسن والقبح العقلي أصلًا ؛ لذا حتى لو أنكرنا ذلك ، فإنّ هذه المقتضيات الذاتية تؤثّر أثرها ، لأنّ ملاكها موافقة الطبع مع الشيء الخارجي ، وهذا الملاك ثابت ولو لم نؤمن بالحسن والقبح العقليين . كذلك تؤثّر هذه المقتضيات أثرها سواء التفت إليها أم لا ؟ أي أكان هناك علم بها أم لا ؛ لذا نجد أنّ الطفل الصغير يسحب يده بقوّة عند ملامسة الأجسام الحارّة ولو لم يكن ملتفتاً إلى تحقيق ما يؤمّن أغراضه الشخصية