تقرير بحث السيد كمال الحيدري لحيدر اليعقوبي

77

شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي )

عمّا عداها من العناصر المساهمة في عملية الاستنباط ، أو أنّها جمعت نتيجة عدم تكفّل سائر العلوم بها ؟ » « 1 » . اختار المصنّف ( قدس سره ) في بحوثه الأصولية الاتجاه الأوّل ، وهو المشهور بين الأعلام المتأخّرين ؛ اعتقاداً منهم أنّ علم الأصول يعدّ من العلوم الحقيقية لا الاعتبارية ، وسيأتي - لاحقاً - المائز بين هذين النحوين من العلوم . تأسيساً على ذلك انصبّت كلمات المحقّقين على بيان تعريف جامع مانع لهذا العلم ، يكون قادراً على إبراز مائز قبليّ موضوعيّ ، يميّز بحوث هذا العلم عن غيرها من العناصر المساهمة في عملية الاستنباط . تعريف المشهور اختلف الأعلام من الأصوليين في إعطاء تعريف مانع وجامع لكلّ المسائل المبحوث عنها في علم الأصول « 2 » .

--> ( 1 ) بحوث في علم الأصول ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 19 ( 2 ) الأصول : جمع أصل ، وهو في اللغة : ما يبتني عليه الشيء . صرّح به جماعة من علماء الأصول ، ومنهم : الميرزا القمي ( في قوانين الأصول ، طبعة حجرية قديمة : ص 5 ) ، والشيخ محمد تقي الأصفهاني ، حيث قال : « والأصول : جمع أصل ، وهو في اللغة بمعنى ما يبتنى عليه الشيء ، سواء كان ابتناؤه عليه حسّياً كما في أصل الحائط وأسفل الشجرة ، أو معنوياً كابتناء العلم بالمدلول على العلم بالدليل » ( هداية المسترشدين ، آية الله العظمى محمد تقي الرازي النجفي الاصفهاني ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين : ج 1 ، ص 94 ) . وكان هذا هو مراد من فسّره بأسفل كل شيء ، كابن منظور ( في لسان العرب : ج 11 ، ص 16 ، دار صادر ) . ويطلق الأصوليون كلمة « أصل » على معانٍ ، منها : أولًا : الدليل أو المصدر الذي يستندون إليه في استنباط الحكم الشرعي ، فيقولون مثلًا : الأصل في هذه المسألة : آية المائدة ، أو الأصل : حديث ابن مسعود ، وأمثال ذلك . ثانياً : القاعدة الأصولية التي مهّدوها لكيفية استنباط الحكم من الدليل ، كقولهم : الأصل : أنّ النصّ مقدَّم على الظاهر ، والأصل : أنّ عامّ الكتاب قطعيّ ، وهكذا . ثالثاً : الوظيفة التي يعمل بها المكلَّف عند عدم عثوره على دليل من الأدلّة التي يستنبط منها الحكم إلى أن يعثر على الدليل ، فيقال : الأصل براءة الذمّة ، أو الأصل استصحاب الحالة السابقة ، أو الأصل الاحتياط . رابعاً : ما يقابل الفرع في العملية القياسية ، فيقولون : الخمر أصل النبيذ ، أي أنّ حكم النبيذ ينبني على حكم الخمر ، لتساويهما في العلّة . خامساً : الرجحان ، فيقولون : الأصل الحقيقة ، أي إذا تردّد الأمر بين حمل الكلام على الحقيقة أو المجاز ، فإنّ الحقيقة أرجح . ولعلّ المعاني الثلاثة الأولى هي الأقرب إلى ما نسمّيه بأصول الفقه ، كما سوف تعرف من تعريف علم الأصول . والفقه - كما قد تتوافق على ذلك أغلب المصادر اللغوية - : هو العلم بالشيء والفهم له . قال الجوهري : الفقه : الفهم . الصحاح : ج 6 ، ص 2243 ، مادة : « فقه » . وقال الفيروزآبادي : الفقه بالكسر : العلم بالشيء والفهم له . القاموس المحيط : ج 4 ، ص 289 ، مادة : « فقه » . وأمّا اصطلاحاً : فإنّ كلمة الفقه في أوّل الأمر كانت تطلق على معارف الشريعة ، حيثُ فسّر بذلك قول رسول الله 6 : « ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه » . ( مسند أحمد : ج 5 ص 183 ) . وبهذا المعنى فُسّر قوله تعالى : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ( التوبة : 122 ) ، إلّا أنّ التمايز التدريجي للمعارف الدينية المختلفة ، وتبلور الشكل المستقلّ لعلم الفقه ، واستقلاله بقواعد وأحكام - حيث انحصر بحدود الأحكام الشرعية الخاصة بأفعال المكلّفين - أدّى إلى خروج الفقه اصطلاحاً عن حدود المعنى السابق ليدخل مرحلة أخرى من مراحل تطوّره ، وليصبح له مدلوله المقتصر على الأحكام العملية ، أي ما يسمّى بالعبادات والمعاملات ، وحيث يستمرّ في التطوّر والترقّي عندما يتوسّع الفقهاء في مدلول كلمة الفقه هذه ، وذلك الاجتهاد المختصّ ، فأصبحت هذه الكلمة تطلق ويراد منها : العلم الباحث عن الأحكام الشرعية الفرعية العملية من حيث استنباطها من الأدلّة التفصيلية .