تقرير بحث السيد كمال الحيدري لحيدر اليعقوبي
54
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي )
ويمكن مراجعة ذلك في بحثه القيّم عن ( عملية الاجتهاد والذاتية ) ولكن مع هذا كلّه لم يفعل شيئاً يتناسب مع ذلك البحث - في بحوثه الأكاديمية في الأصول والفقه - ولعلّ السبب يرجع إلى تلك الحالة النفسية التي أشار إليها هو ، لأنّ هذه الحالة توجد عند الفقيه قناعات وجدانية لا يمكنه تجاوزها ، فلهذا نجد أنّه كان يعتقد أنّ الإنسان قد تحصل له قناعة بشيء وهي حجّة ينبغي قبولها وإن لم يكن واقفاً على الدليل عليها . يقول : « إنّ هذا النزوع والاتجاه نحو وجدان دليل وفق ما تقتضيه تلك الحالة النفسية لعلّه - والله العالم - من نتائج المنطق الأرسطي القائل بأن الشيء لابدّ من أن يكون ضرورياً أو مكتسباً منتهياً إلى الضروري ، فخلّف هذا المنطق في الأذهان في مختلف العلوم ، ومنها علم الفقه ، تخيّل أن الإنسان غير الساذج لا ينبغي له تسليم أيّ دعوى لا تكون ضرورية ولا منتهية إلى الضروريات . ومن هنا يحاول الفقيه أن يجد دليلًا وفق مقصوده كي لا يكون مدّعياً لشيء بلا دليل . ولكن الواقع أنّ العلم ليس دائماً ناشئاً من البرهان بل قد ينشأ عن علّة أثّرت في النفس تكويناً فأوجدت العلم بلا برهان . والعلم بنفسه أمر حادث قائم بممكن حادث تسيطر عليه قوانين العلّية والمعلولية ، ومهما وجدت علّته يوجد العلم قهراً سواءً علمت تلك العلّة أو لا ، وليس حصول العلم بحاجة إلى التفتيش عن علّته كي نجدها فيوجد العلم ، وليست نسبة العلم إلى علّته إلّا كنسبة الحرارة إلى علّتها ، فكما أنّ الحرارة توجد بوجود علّتها سواء فتّشنا عن علّتها ووجدناها أو لا ، كذلك الحال في العلم فلا موجب لهذا النزوع والاتجاه . نعم لو أُريد إعطاء صفة الحجّية المنطقية للعلم يجب التفتيش عن علّته ، وملاحظة مدى انطباقها على قوانين المنطق القديم » « 1 » .
--> ( 1 ) مباحث الأصول ، مصدر سابق : ج 2 ص 133 .