تقرير بحث السيد كمال الحيدري لحيدر اليعقوبي
40
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي )
ونحاول هنا الاستعانة ببعض المسائل الأصولية لتوضيح هذا العامل . إنّ الفكر العلمي ما إن دخل العصر الثاني حتّى وجد نفسه قد ابتعد عن عصر النصوص بمسافة تجعل أكثر الأخبار والروايات التي لديه غير قطعية الصدور ، ولا يتيسّر الاطّلاع المباشر على صحّتها كما كان ميسوراً في كثير من الأحيان لفقهاء العصر الأوّل ، فبرزت أهمية الخبر الظنّي ومشاكل حجّيته . وفرضت هذه الأهمية واتساع الحاجة إلى الأخبار الظنّية ، على الفكر العلمي أن يتوسّع في بحث تلك المشاكل ، ويعوّض عن قطعية الروايات بالفحص عن دليل شرعي يدلّ على حجّيتها وإن كانت ظنّية . وكان الشيخ الطوسي رائد العصر الثاني هو أوّل من توسّع في بحث حجّية الخبر الظنّي وإثباتها . ولمّا دخل العلم في العصر الثالث أدّى اتساع الفاصل الزمني إلى الشكّ حتّى في مدارك حجّية الخبر ودليلها ، الذي استند إليه الشيخ في مستهلّ العصر الثاني ، فإنّ الشيخ استدلّ على حجّية الخبر الظنّي بعمل أصحاب الأئمة به ، ومن الواضح أننا كلّما ابتعدنا عن عصر أصحاب الأئمة ومدارسهم يصبح الموقف أكثر غموضاً والاطلاع على أحوالهم أكثر صعوبة ، وهكذا بدأ الأصوليون في مستهلّ العصر الثالث يتساءلون : هل يمكننا أن نظفر بدليل شرعي على حجّية الخبر الظنّي أو لا ؟ وعلى هذا الأساس وجد في مستهلّ العصر الثالث اتجاه جديد يدّعي انسداد باب العلم ؛ لأنّ الأخبار ليست قطعية ، وانسداد باب الحجّية لأنّه لا دليل على حجّية الأخبار الظنّية ، ويدعو إلى إقامة علم الأصول على أساس الاعتراف بهذا الانسداد كما يدعو إلى جعل الظن بالحكم الشرعي - أي ظن - أساساً للعمل دون فرق بين الظنّ الحاصل من الخبر وغيره ما دمنا لا نملك دليلًا شرعياً خاصّاً على حجّية الخبر يميّزه عن سائر الظنون » « 1 » .
--> ( 1 ) المعالم الجديدة ، مصدر سابق : ص 93 .