تقرير بحث السيد كمال الحيدري لحيدر اليعقوبي
14
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي )
وهكذا نجد أن الاستدلال الاستنباطي صحيح من الناحية المنطقية ، وأن الانتقال فيه من المقدّمات إلى النتيجة ضروريّ على أساس مبدأ عدم التناقض . وأمّا في حالات الاستقراء فإنّ الدليل الاستقرائي يقفز من الخاصّ إلى العامّ ؛ لأنّ النتيجة في الدليل الاستقرائي أكبر من مقدّماتها وليست مستبطنة فيها ، فهو يقرّر في المقدّمات أن كمية محدودة من قطع الحديد لوحظ تمدّدها بالحرارة ، ويخرج من ذلك بنتيجة عامة وهي ( أن كلّ حديد يتمدّد بالحرارة ) . وهذا الانتقال من الخاصّ إلى العامّ لا يمكن تبريره على أساس مبدأ عدم التناقض كما رأينا في حالات الدليل الاستنباطي ؛ لأنّ افتراض صدق المقدّمات وكذب النتيجة لا يستبطن تناقضاً . فبالإمكان أن نفترض أنّ تلك الكمية المحدودة من القطع الحديدية قد تمدّدت بالحرارة فعلًا ونفترض في نفس الوقت أنّ التعميم الاستقرائي القائل ( إنّ كلّ حديد يتمدّد بالحرارة ) خطأ ، دون أن نقع في تناقض منطقي ، لأنّ هذا التعميم غير مستبطن في الافتراض الأوّل . وهكذا نعرف أن منهج الاستدلال في الدليل الاستنباطي منطقي ، ويستمدّ مبرّره من مبدأ عدم التناقض ، وخلافاً لذلك منهج الاستدلال في الدليل الاستقرائي فإنّه لا يكفي لتبريره منطقياً مبدأ عدم التناقض ، ولا يمكن على أساس هذا المبدأ تفسير القفزة التي يصطنعها الدليل الاستقرائي في سيره من الخاصّ إلى العامّ وما تؤدّي إليه من ثغرة في تكوينه المنطقي » « 1 » . وبناءً على ذلك يتّضح لماذا آمن المنطق الأرسطي بأنّ الاستدلال القياسي إذا كانت مقدّماته - مادّة وصورة - يقينيّة يفيد اليقين ، بخلافه في الدليل الاستقرائي .
--> ( 1 ) الأسس المنطقية للاستقراء ؛ دراسة جديدة للاستقراء تستهدف اكتشاف الأساس المنطقي المشترك للعلوم الطبيعية وللإيمان بالله ، محمد باقر الصدر ، دار التعارف للمطبوعات ، بيروت - لبنان : ص 5 - 7 .