السيد محمد باقر الصدر

40

دروس في علم الأصول ( الحلقة الثالثة )

يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 1 » ؛ إذ دلَّ على أنَّ عدم الوجدان كاف في اطلاق العَنان . ويرد عليه : أولا : أنَّ عدم وجدان النبي فيما أُوحي اليه يساوق عدم الحرمة واقعاً . وثانياً : أنَّه « 2 » إنْ لم يساوق عدم الحرمة واقعاً ، فعلى الأقل يساوق عدم صدور بيان من الشارع ؛ إذ لا يحتمل صدوره واختفاؤه على النبي ، وأين هذا من عدم الوصول الناشئ من احتمال اختفاء البيان « 3 » . وثالثاً : أنَّ اطلاق العَنان كما قد يكون بلحاظ أصل عملي ، قد يكون بلحاظ عموماتِ الحِلِّ « 4 » التي لا ترفع اليد عنها إلا بمخصّص واصل . ومنها : قوله تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ « 5 » . وتقريب الاستدلال كما تقدم في الحلقة السابقة « 6 » ، وما يُتقى إنْ أُريد به ما

--> ( 1 ) . الأنعام / 145 . ( 2 ) . أي : عدم وجدان النبي ( صلى الله عليه وآله ) . ( 3 ) . فقياس أنفسنا على النبي ( صلى الله عليه وآله ) قياس مع الفارق ؛ فإن عدم وجداننا تحريم شيء لا يدلّ على عدم صدور بيان تحريمه ؛ إذ لعلّه صدر ولم يصلنا . ( 4 ) . أي : مع التنازل عن الرّدين المتقدمين ، نقول : إنَّ الآية لا تدلّ بالضرورة على أصل البراءة ؛ إذ قد يكون اطلاق العنان من باب التمسك بعمومات الحلّ حال عدم وجود مخصص لها . ( 5 ) . التوبة / 114 . ( 6 ) . وحاصله : أن المراد بالإضلال إمّا تسجيلهم ضالّين ، فيستحقون العقاب ، أو الخذلان وسلب أسباب الهداية عنهم ، وان هذا لا يحصل الّا بعد بيان ما يكون محرَّماً ، فدلالة الآية على البراءة تامّة .