السيد محمد باقر الصدر
38
دروس في علم الأصول ( الحلقة الثالثة )
. وبالنسبة إلى مدى الشمول فيها ، لا شك في شمولها للشبهات الوجوبية والتحريمية معاً « 1 » ، بل للشبهات الحكمية والموضوعية معاً ؛ لان الايتاء ليس بمعنى إيتاء الشارع بما هو شارع ليختصَّ بالشبهات الحكمية ، بل بمعنى الايتاء التكويني ؛ لأنه المناسب للمال وللفعل « 2 » ، كما أنَّ الظاهر عدم الاطلاق في الآية لحالة عدم الفحص ؛ لأنَّ إيتاء التكليف تكفي فيه عُرفاً مرتبة من الوصول ، وهي : الوصول إلى مظان العثور بالفحص « 3 » . ومنها : قوله سبحانه وتعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا « 4 » . وتقريب الاستدلال واضح بعد حمل كلمة رسول على المثال للبيان « 5 » . وقد يعترض « 6 » على ذلك تارةً بأنَّ الآية الكريمة إنما تنفي العقاب لا استحقاقه ، وهذا لا ينافي تنجز التكليف المشكوك ؛ إذ لعلَّه « 7 » من باب العفو ، وأخرى بأنَّها ناظرة إلى العقاب الرباني في الدنيا للأمم السالفة ، وهذا غير محل البحث « 8 » . والجواب على الأول : أنَّ ظاهر النفي في الآية أنَّه هو الطريقة العامة للشارع
--> ( 1 ) . لأنّه لم يذكر فيها لفظ التحريم بالخصوص ولا لفظ الوجوب . ( 2 ) . فإنَّ الله لا يؤتيهما إيتاءً تشريعيّاً ، بل إيتاءً تكوينيّاً . ( 3 ) . أي : أنَّ إيتاءَ التكليف ليس بمعنى إيصاله بيد المكلّف مباشرة ، بل جعله في مظانّ العثور عليه لو فحص عنه . ( 4 ) . الإسراء / 15 . ( 5 ) . لا خصوص النبي ( صلى الله عليه وآله ) ؛ إذ تدل حينئذ على أنه بعد بعثته يعذّب على مخالفة التكليف وإن لم يصل ، وهو خلاف المطلوب اثباته من عدم العقاب على مخالفة التكليف قبل بيانه . ( 6 ) . المعترض هو الشيخ الأنصاري ( فرائد الأصول 2 / 23 - 4 ( 2 ) . ( 7 ) . أي : لعلّ نفي العقاب من باب العفو والتفضّل . ( 8 ) . وهو : ان المكلف إذا لم يجد دليلا على التكليف هل يعاقب إذا خالفه أم لا ؟