السيد محمد باقر الصدر
32
دروس في علم الأصول ( الحلقة الثالثة )
الرابع : ما ذكره المحقق الأصفهاني « 1 » أيضاً تعميقاً لقاعدة قبح العقاب بلابيان « 2 » على أساس مبنىً له في حقيقة التكليف حاصله : أنَّ التكليف إنشائي وحقيقي ، فالانشائي : ما يوجد بالجعل والانشاء « 3 » ، وهذا لا يتوقف على الوصول ، والتكليف الحقيقي : ما كان إنشاؤه بداعي البعث والتحريك ، وهذا متقوّم بالوصول ؛ إذ لا يعقل أنْ يكون التكليف بمجرد إنشائه باعثاً ومحركاً ، وانما يكون كذلك بوصوله ، فكما أنَّ بعث العاجز غير معقول ، كذلك بعث الجاهل ، وكما يختصُّ التكليف الحقيقي بالقادر ، كذلك يختص بمن وصل اليه ليمكنه الانبعاث عنه ، فلا معنى للعقاب والتنجز مع عدم الوصول ؛ لأنه يساوق عدم التكليف الحقيقي ، فيقبح العقاب بلا بيان ، لا لأَنَّ التكليف الحقيقي لا بيانَ عليه ، بل لأنه لا ثبوتَ له مع عدم الوصول « 4 » . ويرد عليه : أولا : أنَّ حق الطاعة إنْ كان شاملا للتكاليف الواصلة بالوصول الاحتمالي فباعثية التكليف ومحركيته مولويّاً مع الشك معقولة ايضاً ؛ وذلك لأنه يحقق موضوع حق الطاعة ، وان لم يكن حق الطاعة شاملا للتكاليف المشكوكة ، فمن
--> ( 1 ) . نهاية الدراية 2 / 190 . ( 2 ) . بإعطائها معنىً جديداً ؛ فإنَّ معناها السابق : أن التكليف قبل علم المكلف به ثابت في حقه ، ولكن يقبح عقابه عليه من جهة عدم علمه به ، والمعنى الجديد : أنه مع عدم علم المكلف لا ثبوت للتكليف في حقه حتى يعاقب عليه . ( 3 ) . دون أن يفترض فيه داعي البعث والتحريك ، كما في الأوامر الامتحانية التي يريد المولى بها معرفة مدى انقياد العبد . ( 4 ) . فقبح العقاب هنا من جهة السالبة بانتفاء الموضوع ، لا أنَّ التكليف ثابت والعقل يحكم بقبح العقوبة عليه .