السيد محمد باقر الصدر
22
دروس في علم الأصول ( الحلقة الثالثة )
ومع إجرائها لا حاجة إلى البراءة الثانية ؛ إذ لا يحتمل العقاب إلّا من ناحية التكليف الواقعي « 1 » ، وقد أُمِّنَ عنه . والجواب على ذلك : أنَّ احتمال ذات التكليف الواقعي شيء ، واحتمال تكليف واقعي واصل إلى مرتبة من الاهتمام المولوي التي تعبِّر عنها الحجية المشكوكة شيء آخر « 2 » ، والتأمين عن الأول لا يلازم التأمين عن الثاني ؛ ألا ترى أنَّ بإمكان المولى أنْ يقول للمكلف : كلّما احتملت تكليفاً وأنت تعلم بعدم قيام الحجة عليه فأنت في سَعَة منه ، وكلّما احتملت تكليفاً واحتملت قيام الحجة عليه فاحتط بشأنه . ولكن التحقيق مع ذلك : أنَّ إجراء البراءة عن التكليف الواقعي المشكوك يغني عن اجراء البراءة عن الحجية المشكوكة ، وذلك بتوضيح ما يلي : أولا : أنَّ البراءة عن التكليف الواقعي والحجية المشكوكة حكمان ظاهريان عَرْضيان ؛ لان موضوعهما معاً الشك في الواقع « 3 » ، خلافاً للبراءة عن الحجية المشكوكة ؛ فإنّها ليست في درجتها « 4 » كما عرفت .
--> ( 1 ) . أي : أنه مع إجراء البراءة عن الحكم الواقعي ، لا نحتمل العقاب على مخالفة الحجيّة ؛ لأنها حكم ظاهري طريقي ليس لها ثواب أو عقاب مستقل ، فلا فائدة من إجراء البراءة عنها . ( 2 ) . أي : أنَّ احتمال أصل ثبوت التكليف الواقعي شيء ، واحتمال أنَّ ذلك التكليف الواقعي بالغ من اهتمام المولى درجة شديدة بنحو لا يرضى أبداً بتفويته شيء آخر . ( 3 ) . أي : أنَّ ملاك العَرْضيّة أن يكون الموضوع واحداً ، وهو متحقق هنا ؛ لأنَّ موضوع البراءة هو الشك في الحكم الواقعي ، وموضوع حجية خبر الثقة هو الشك في الحكم الواقعي أيضاً ؛ لأنَّ القاطع بالحكم الواقعي لا تكون الأمارة حجة في حقّه . ( 4 ) . بل في طولها ؛ لأنَّ موضوع البراءة الثانية هو الشك في الحجيّة ، بينما الحجيّة المشكوكة موضوعها الشك في التكليف الواقعي .