السيد محمد باقر الصدر

20

دروس في علم الأصول ( الحلقة الثالثة )

مورد جريان الأصول العملية لا شك في جريان الأصول العملية الشرعية عند الشك في الحكم التكليفي الواقعي ؛ لتنجيزه كما في أصالة الاحتياط ، أو للتعذير عنه كما في أصالة البراءة ، ولكن قد يشك في التكليف الواقعي ويشك في قيام الحجة الشرعية عليه [ إمّا ] بنحو الشبهة الموضوعية - كالشك في صدور الحديث « 1 » - أو بنحو الشبهة الحكمية - كالشك في حجية الأمارة المعلوم وجودها « 2 » - فهل يوجد في هذه الحالة موردان للأصل العملي ، فنجري البراءة عن التكليف الواقعي المشكوك ، ونجري براءةً أخرى عن الحجية ، أي الحكم الظاهري المشكوك ، أو تكفي البراءة الأولى ؟ وبكلمة أخرى : أنَّ الأصول العملية هل يختص موردها بالشك في الأحكام الواقعية ، أو يشمل مورد الشك في الاحكام الظاهرية نفسها « 3 » ؟ قد يقال بأننا في المثال المذكور نحتاج إلى براءتين ؛ إذ يوجد احتمالان صالحان للتنجيز ، فنحتاج إلى مؤمِّن عن كلٍّ منهما ، أحدهما : احتمال التكليف الواقعي ، ولنسمِّه بالاحتمال البسيط ، والآخر : احتمال قيام الحجة عليه ، وحيث أنَّ الحجية معناها ابراز شدة اهتمام المولى بالتكليف الواقعي المشكوك ، كما عرفنا سابقاً عند البحث في حقيقة الاحكام الظاهرية ، فاحتمال الحجة على الواقع المشكوك يعني احتمالَ تكليف واقعيٍّ متعلق لاهتمام المولى الشديد وعدم

--> ( 1 ) . لوجود راو في سنده مختلف في وثاقته . ( 2 ) . كما لو كان جميع رواة السند ثقات ، لكن الفقيه لم يثبت لديه حجيّة خبر الثقة كبرويّاً . ( 3 ) . فنقول : نحن نشك في قيام الحجة على الحكم الواقعي وعدم قيامها ، وبما أنَّ الحجيّة حكم شرعيّ أيضاً ، فنجري البراءة عنه .