الشيخ محمد السند

302

تفسير ملاحم المحكمات

فإنّ الاعتبار بالسنن التاريخيّة إنّما هو لتفادي الوقوع في الأخطاء السابقة عند تكرّر الظواهر التاريخيّة في المجتمعات البشريّة ، وهذا هو مغزى علم التاريخ الذي هو من أقدم علوم البشريّة . ومن ثمّ تكرّر توسيط القرآن بالنظر إلى ما آلت إليه الأمم السابقة وعواقب أمورهم ، ومثله قوله تعالى : فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ « 1 » . ومن ثمّ لم يقتصر القرآن كما مرّ في الأجوبة السابقة على استعراض بيئة مكّة والمدينة ، وإنّما توسّع لكلّ الأحداث التاريخيّة منذ نشأة البشريّة ، ومن ثمّ لا زالت المدارس القانونيّة والحقوقيّة البشريّة تدرس وتتدارس القوانين الغابرة في الأمم السابقة ، كمسلّة حمورابي ، والقانون الرومانيّ القديم ، واليوناني في عهد ما قبل الميلاد . وكذلك شأن أصحاب العلوم الإنسانيّة طرّاً ، كعلم الأخلاق وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم التاريخ وعلوم الأدب والثقافة ، وما شابه ذلك ، وليس ذلك إلّا لما تقدّمت الإشارة إليه . فما استند إليه في الوهم من إيراد وطعن هو دعم وتشييد ، بل إنّنا نشاهد تأثير التاريخ ليس على العلوم الإنسانيّة فحسب ، بل على العلوم النظميّة المرتبطة بمنظومات النظم كالعلوم الإداريّة ، بل وكذلك منظومة العلوم التجريبيّة ، فإنّ تاريخ كلّ علم بات من القواعد الهامّة المؤثّرة على الهيكل العام له ، والشبكة التنجّزيّة لذلك العلم ، وكيفيّة نموّه وتطوّره وتوسعته ، فما هو الحجر الأساس

--> ( 1 ) فاطر 35 : 43 و 44 .