الشيخ محمد السند
199
تفسير ملاحم المحكمات
لا يصحّ الاعتماد على أمجاد الأجداد والآباء ولو كانوا أنبياء . واستشهد لهذا القول بقوله صلى الله عليه وآله : « يا بني هاشم ، لا تأتوني يوم القيامة بأنسابكم ، وائتوني بأعمالكم » « 1 » . تقييم هذا المعنى أوّلًا : وهذا المعنى وإن كان لا يخلو من وجه ، إلّاأنّه ليس المعنى العمدة الذي في صدده الآية ، وذلك لأنّ سياق الآيات قبل الموضع الأوّل للآية ، وكذلك السياق في الآيات قبل الموضع الثاني ، وهو فيما بين الموضعين ليست في سياق مفاخرة اليهود بآبائهم ، بل في صدد محاججتهم بصحّة اليهوديّة أو النصرانيّة فيما كان عليه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، فمحتدم الجدال بينهم وبين المسلمين هو في الدين الصحيح والشريعة القويمة ، فلم يكن الحديث فيما بينهم وبين المسلمين حول مفاخرتهم بآبائهم من الأنبياء إلّابالعرض لا بالأصالة . ثانياً : إنّ الفخر المذموم إنّما هو على تفصيل لا مطلقاً ، أيفيما كان المرء يتّكل على أمجاد آبائه ويترك العمل ، أو فيما كان يفتخر بأمجاد آبائه بقصد وغرض النكاية والتحقير للآخرين ، أو فيما كان افتخاره بأسلافه رغم أنّهم كانوا ذوي عمل سيّء تعصّباً بالأسلاف ، وفي غير ذلك فالانتساب إلى الأسلاف الصالحين هي فضيلة ، ومن تبرّأ من نسبه فهو على حدّ الكفر . وقد ورد عنه صلى الله عليه وآله : « كلّ نسب وسبب منقطع يوم القيامة إلّانسبي وسببي » « 2 » ) . كما حكى اللَّه على لسان يوسف : ( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ ) « 3 » .
--> ( 1 ) تفسير الكشّاف : 1 : 314 . أحكام القرآن للجصّاص : 1 : 102 . ( 2 ) سعد السعود : 257 . ذخائر العقبى : 169 . ( 3 ) يوسف 12 : 38 .