الشيخ محمد السند
164
تفسير ملاحم المحكمات
إلى نمرود وفرعون ، فيستعرض سلسلة الصالحين ، ويربّي على محبّتهم والتضامن معهم ، والتحلّي بحليتهم ، كما يستعرض الطواغيت والمتجبّرين ويندّد بهم ، ويحذّر عن الاتّصاف بأوصافهم . كما يوصي القرآن بالعبرة وبقراءة تاريخ الأمم السابقة ، كقوله تعالى : ( أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) « 1 » . وقوله تعالى : ( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) « 2 » ) ، وغيرها من الآيات الواردة في الحثّ على الاعتبار بتفتيش ما في أحوال الأمم . القاعدة الثالثة : وفي الحقيقة فإنّ التولّي والتبرّي توسّعه تعاليم القرآن الكريم إلى جميع الأمم السابقة ، ولا يختصّ بالامّة المعاصرة للإنسان ، فتعاليم القرآن الكريم تؤكّد على المسؤوليّة الاجتماعيّة والعقيديّة الفكريّة ، وعلى اتّخاذ الموقف من الفعل الاجتماعي إلى حدٍّ يجد القارئ للقرآن الكريم أنّ ترابط ونسيج الفعل الاجتماعي يتداعى تأثيره ، ويتجاوز زمن وقوعه ، ويمتدّ إلى أجيال وأزمنة لاحقة كحلقات مترابطة ، وهذه من المعادلات العلميّة في علم الاجتماع التي كشف عنها القرآن الكريم ، فكيف يمكن أن يؤسّس مذهب الفرديّة والتمحور الذاتي من ظاهر هذه الآية الكريمة ، مع أنّ تقرير ماهيّة الفعل الاجتماعي حقيقة مفروغ عنها في تعاليم السور والآيات ، وأنّ الأفعال في الأزمة السابقة مؤثّرة في البيئة الحاضرة والمستقبليّة كأمواج تتداعى منها مثيلاتها . هذه الآية ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ) تكرّر ورودها أيضاً في نفس السورة في رقم 141 ، وسياق الآية
--> ( 1 ) الروم 30 : 9 . ( 2 ) الأنعام 6 : 11 .