محمد بن جرير الطبري

76

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

رجل العباس وسال المعتصم الحارث حين صار اليه عن امره ، فاقر انه كان صاحب خبر العباس ، واخبره بجميع امره وجميع من بايع العباس من القواد فاطلق المعتصم الحارث وخلع عليه ، ولم يصدق على أولئك القواد لكثرتهم وكثره من سمى منهم . وتحير المعتصم في امر العباس ، فدعا به حين خرج إلى الدرب فاطلقه ومناه ، وأوهمه انه قد صفح عنه ، وتغدى معه ، وصرفه إلى مضربه ، ثم دعاه بالليل ، فنادمه على النبيذ ، وسقاه حتى اسكره ، واستحلفه الا يكتمه من امره شيئا ، فشرح له قصته ، وسمى له جميع من كان دب في امره ، وكيف كان السبب في ذلك في كل واحد منهم ، فكتبه المعتصم وحفظه ، ثم دعا الحارث السمرقندي بعد ذلك ، فسأله عن الأسباب ، فقص عليه مثل ما قص عليه العباس ، ثم امر بعد ذلك بتقييد العباس ، ثم قال للحارث : قد رضتك على أن تكذب ، فأجد السبيل إلى سفك دمك فلم تفعل ، فقد أفلت ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، لست بصاحب كذب . ثم دفع العباس إلى الافشين ، ثم تتبع المعتصم أولئك القواد ، فأخذوا جميعا ، فامر ان يحمل أحمد بن الخليل على بغل باكاف بلا وطاء ، ويطرح في الشمس إذا نزل ، ويطعم في كل يوم رغيفا واحدا ، وأخذ عجيف بن عنبسة فيمن أخذ من القواد ، فدفع من سائر القواد إلى ايتاخ ، ودفع ابن الخليل إلى اشناس ، فكان عجيف وأصحابه يحملون في الطريق على بغال باكف بلا وطاء ، وأخذ الشاه بن سهل - وهو الرأس ابن الرأس من أهل قريه من خراسان يقال لها سجستان - فدعا به المعتصم والعباس بين يديه ، فقال له : يا بن الزانية ، أحسنت إليك فلم تشكر ! فقال له الشاه بن سهل : ابن الزانية هذا الذي بين يديك - يعنى العباس - لو تركني هذا كنت أنت الساعة لا تقدر ان تقعد في هذا المجلس وتقول لي : يا بن الفاعلة ؟ فامر به المعتصم ، فضربت عنقه ، وهو أول من قتل من القواد ومعه صحبه ، ودفع