محمد بن جرير الطبري
647
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وسارت السفن في دجلة منذ صلاه الظهر من يوم الاثنين إلى آخر وقت عشاء الآخرة من ليله الثلاثاء ، فانتهوا إلى موضع من أسفل العسكر ، وكان الموفق امر باصلاحه وتنظيفه وتنقيه ما فيه من خراب ودغل ، وطم سواقيه وانهاره حتى استوى واتسع ، وبعدت أقطاره واتخذ فيه قصرا وميدانا لعرض الرجال والخيل بإزاء قصر الفاسق ، وكان غرضه في ذلك ابطال ما كان الخبيث يعد به أصحابه من سرعه انتقاله عن موضعه ، فأراد ان يعلم الفريقين انه غير راحل حتى يحكم الله بينه وبين عدوه ، فبات الجيش ليله الثلاثاء في هذا الموضع بإزاء عسكر الفاسق ، وكان الجميع زهاء خمسين الف رجل من الفرسان والرجاله في أحسن زي وأكمل هيئة ، وجعلوا يكبرون ويهللون ، ويقرءون القرآن ، ويصلون ، ويوقدون النار فرأى الخبيث من كثره الجمع والعدة والعدد ما بهر عقله وعقول أصحابه ، وركب الموفق في عشيه يوم الاثنين الشذا ، وهي يومئذ مائه وخمسون شذاه قد شحنها بانجاد غلمانه ومواليه الناشبة والرامحه ، ونظمها من أول عسكر الخائن إلى آخره ، لتكون حصنا للجيش من ورائه ، وطرحت اناجرها بحيث تقرب من الشط ، وافرد منها شذوات اختارها لنفسه ، ورتب فيها من خاصه قواد غلمانه ليكونوا معه عند تقحمه نهر أبى الخصيب ، وانتخب من الفرسان والرجاله عشره آلاف ، وامرهم ان يسيروا على جانبي نهر أبى الخصيب بمسيره ، ويقفوا بوقوفه ، ويتصرفوا فيما رأى ان يصرفهم فيه في وقت الحرب . وغدا الموفق يوم الثلاثاء لقتال الفاسق صاحب الزنج ، وتوجه كل رئيس من رؤساء قواده نحو الموضع الذي امر بقصده ، وزحف الجيش نحو الفاسق وأصحابه ، فتلقاهم الخبيث في جيشه ، واشتبكت الحرب ، وكثر القتل والجراح بين الفريقين ، وحامى الفسقه عما كانوا اقتصروا عليه من مدينتهم أشد محاماة ، واستماتوا ، وصبر أصحاب الموفق ، وصدقوا القتال ، فمن الله عليهم بالنصر ،