محمد بن جرير الطبري

638

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

الموفق أبا العباس بتقديم عده من الشذا إلى ذلك الموضع ، ففعل ذلك ، فكان فيمن تقدم زيرك في عدد من أصحابه ، فوافى هذه الادقال ، واخرجوا إليها قوما قد كانوا اعدوهم لها معهم الفئوس والمناشير ، فقطعوها ، وجذبت وأخرجت عن النهر ، وسقط ما بقي من القنطرة ، ودخلت شذوات الموفق النهر ، وسار القائدان في جميع أصحابهما على حافتيه فهزم أصحاب الفاجر في الجانبين ، وانصرف الموفق وجميع أصحابه سالمين ، واستنقذ خلق كثير واتى الموفق بعدد كثير من رؤوس الفسقه ، فأثاب من أتاه بها ، وأحسن اليه ووصله . وكان انصرافه في هذا اليوم على ثلاث ساعات من النهار ، بعد ان انحاز الفاسق وجميع أصحابه من الزنج وغيرهم إلى الجانب الشرقي من نهر أبى الخصيب ، وأخلوا غربيه ، واحتوى عليه أصحاب الموفق ، فهدموا ما كان يعوق عن محاربه الفجره من قصور الفاسق وقصور أصحابه ، ووسعوا مخترقات ضيقه كانت على نهر أبى الخصيب ، فكان ذلك مما زاد في رعب أصحاب الخائن ومال جمع كثير من قواده وأصحابه الذين كان لا يرى أنهم يفارقونه إلى طلب الأمان ، فبذل ذلك لهم ، فخرجوا إرسالا ، فقبلوا ، وأحسن إليهم وألحقوا بنظرائهم في الأرزاق والصلات والخلع . ثم إن الموفق واظب على ادخال الشذا النهر ، وتقحمه في غلمانه ، وامر باحراق ما على حافتيه من منازل الفجره وما في بطنه من السفن ، وأحب تمرين أصحابه على دخول النهر وتسهيل سلوكه لهم لما كان يقدر من احراق الجسر الثاني ، والتوصل إلى أقصى مواضع الفجره فبينا الموفق في بعض أيامه - التي ألح فيها على حرب الخبيث وولوج نهر أبى الخصيب - واقف في موضع من النهر ، وذلك في يوم جمعه ، إذ استأمن اليه رجل من أصحاب الفاجر ، وأتاه بمنبر كان للخبيث في الجانب الغربي ، فأمره بنقله اليه ، ومعه قاض كان للخبيث في مدينته ، فكان ذلك مما فت في اعضادهم ، وكان الخبيث جمع ما كان بقي له من السفن البحرية وغيرها ،