محمد بن جرير الطبري
624
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
للشذا وإلباسها جلود الجواميس ، وتغطية ذلك بالخيش المطلى بصنوف العقاقير والأدوية التي تمنع النار من الإحراق ، فعمل ذلك ، وطليت به عده شذوات ورتب فيها جميعا شجعاء غلمانه : الرامحه والناشبة ، وجمعا من حذاق النفاطين وأعدهم لاحراق دار الفاسق صاحب الزنج . فاستأمن إلى الموفق محمد بن سمعان كاتب الخبيث ووزيره في يوم الجمعة لاثنتي عشره ليله بقيت من شعبان سنه تسع وستين ومائتين ، وكان سبب استمانه - فيما ذكر محمد بن الحسن - انه كان ممن امتحن بصحبته ، وهو لها كاره على علم منه بضلالته قال : وكنت له على ذلك مواصلا ، وكنا جميعا ندبر الحيلة في التخلص ، فيتعذر علينا ، فلما نزل بالخبيث من الحصار ما نزل ، وتفرق عنه أصحابه ، وضعف امره ، شمر في الحيلة للخلاص ، واطلعنى على ذلك ، وقال : قد طبت نفسا بالا استصحب ولدا ولا أهلا ، وان انجو وحيدا ، فهل لك في مثل ما عزمت عليه ؟ فقلت له : الرأي لك ما رايت ، إذ كنت انما تخلف ولدا صغيرا لا سبيل للخائن عليه إلى أن يصول به ، أو ان يحدث عليك فيه حدثا يلزمك عاره ، فاما انا فان معي نساء يلزمني عارهن ، ولا يسعني تعريضهن لسطوة الفاجر ، فامض لشأنك ، فأخبر عنى بما علمت من نيتي في مخالفه الفاجر وكراهة صحبته ، وان هيأ الله لي الخلاص بولدي ، فانا سريع اللحاق بك ، وان جرت المقادير فينا بشيء كنا معا وصبرنا . فوجه محمد بن سمعان وكيلا له يعرف بالعراقي ، فاتى عسكر الموفق ، فاخذ له ما أراد من الأمان ، وأعد له الشذا ، فوافته في السبخة في اليوم الذي ذكرنا ، فصار إلى عسكر الموفق وأعاد الموفق محاربه الخبيث والقصد للإحراق من غد اليوم الذي استأمن فيه محمد بن سمعان ، وهو يوم السبت لإحدى عشره ليله بقيت من شعبان سنه تسع وستين ومائتين ، في أحسن زي ، وأكمل عده ، ومعه الشذوات المطليه بما وصفنا ، وسائر شذواته وسميرياته فيها مواليه وغلمانه والمعابر التي فيها الرجاله فامر الموفق ابنه أبا العباس بالقصد إلى دار محمد ابن يحيى المعروف بالكرنبائى ، وهي بإزاء دار الخائن في شرقي النهر المعروف بابى الخصيب ، يشرع على النهر وعلى دجلة ، وتقدم إليها في إحراقها وما يليها