محمد بن جرير الطبري

60

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وغل في بلاد الروم ، وتوافت آلات المعتصم واثقاله مع صاحب الساقه إلى العسكر ، فكتب إلى اشناس يأمره بالتقدم ، فتقدم اشناس والمعتصم من ورائه ، بينهم مرحلة ، ينزل هذا ويرحل هذا ولم يرد عليهم من الافشين خبر ، حتى صاروا من انقره على مسيره ثلاث مراحل ، وضاق عسكر المعتصم ضيقا شديدا من الماء والعلف سنه 223 وكان اشناس قد أسر عده اسرى في طريقه ، فامر بهم فضربت أعناقهم حتى بقي منهم شيخ كبير ، فقال الشيخ : ما تنتفع بقتلى ، وأنت في هذا الضيق ، وعسكرك أيضا في ضيق من الماء والزاد ، وهاهنا قوم قد هربوا من انقره خوفا من أن ينزل بهم ملك العرب ، وهم بالقرب منا هاهنا ، معهم من الميرة والطعام والشعير شيء كثير ، فوجه معي قوما لادفعهم إليهم ، وخل سبيلي ! فنادى منادى اشناس : من كان به نشاط فليركب ، فركب معه قريب من خمسمائة فارس ، فخرج اشناس حتى صار من العسكر على ميل ، وبرز معه من نشط من الناس ، ثم برز فضرب دابته بالسوط ، فركض قريبا من ميلين ركضا شديدا ، ثم وقف ينظر إلى أصحابه خلفه ، فمن لم يلحق بالكردوس لضعف دابته رده إلى العسكر ، ودفع الرجل الأسير إلى مالك بن كيدر ، وقال له : متى ما أراك هذا سبيا وغنيمه كثيره فخل سبيله على ما ضمنا له فسار بهم الشيخ إلى وقت العتمه ، فأوردهم على واد وحشيش كثير ، فامرج الناس دوابهم في الحشيش حتى شبعت ، وتعشى الناس وشربوا حتى رووا ، ثم سار بهم حتى اخرجهم من الغيضة ، وسار اشناس من موضعه الذي كان به متوجها إلى انقره . وامر مالك بن كيدر والأدلاء الذين معه ان يوافوه بانقره ، فسار بهم الشيخ العلج بقية ليلتهم يدور بهم في جبل ليس يخرجهم منه ، فقال الأدلاء