محمد بن جرير الطبري

593

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فعجزت المرأة عن اللحاق به ، فأخذها الزنج فردوها إلى الخبيث ، فحبسها مده ، ثم امر بإخراجها والنداء عليها في السوق ، فبيعت ، ومنهم احمد المعروف بالبرذعى . وكان - فيما قيل - من أشجع رجال الخبيث الذين كانوا في حيز المهلبي ومن قواده الزنج مدبد وابن انكلويه ومنينه ، فخلع عليهم جميعا ، ووصلوا بصلات كثيره ، وحملوا على الخيل ، وأحسن إلى جميع من جاءوا به معهم من أصحابهم ، وانقطعت عن الخبيث مواد الميرة ، وسدت عليه وعلى من أقام معه المذاهب وامر شبلا وأبا النداء - وهما من رؤساء قواده وقدماء أصحابه الذين كان يعتمد عليهم ويثق بمناصحتهم - بالخروج في عشره آلاف من الزنج وغيرهم ، والقصد لنهر الدير ونهر المرأة ونهر أبى الأسد ، والخروج من هذه الأنهار إلى البطيحة للغارة على المسلمين ، وأخذ ما وجدا من طعام وميره ليقطع عن عسكر الموفق ما يرده من الميرة وغيرها من مدينه السلام وواسط ونواحيها . فندب الموفق لقصدهم حين انتهى اليه خبر مسيرهم مولاه زيرك صاحب مقدمه أبى العباس ، وامره بالنهوض في أصحابه إليهم ، وضم اليه من اختار من الرجال ، فمضى في الشذوات والسميريات ، وحمل الرجاله في الزواريق والسفن الخفاف حثيثا ، حتى صار إلى نهر الدير ، فلم يعرف لهم هنالك خبرا ، فصار منه إلى بثق شيرين ثم سلك في نهر عدى حتى خرج إلى نهر ابن عمر ، فالتقى به جيش الزنج في جمع راعته كثرته ، فاستخار الله في مجاهدتهم ، وحمل عليهم في ذوى البصائر والثبات من أصحابه ، فقذف الله الرعب في قلوبهم ، فانفضوا ، ووضع فيهم السلاح ، فقتل منهم مقتله عظيمه ، وغرق منهم مثل ذلك ، وأسر خلقا كثيرا ، وأخذ من سفنهم ما أمكنه اخذه ، وغرق منها ما أمكن تغريقه ، فكان ما أخذ من سفنهم نحوا من أربعمائة سفينة ، واقبل بمن معه من الأسارى وبالرءوس إلى عسكر الموفق .