محمد بن جرير الطبري
559
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
ولما انقضت الحرب في هذا اليوم ، أشار على أبى العباس قواده وأولياؤه ، ان يجعل معسكره بالموضع الذي كان انتهى اليه من الصلح ، إشفاقا عليه من مقاربه القوم ، فأبى الا نزول واسط . ولما انهزم سليمان بن جامع ومن معه ، وضرب الله وجوههم ، انهزم سليمان بن موسى الشعراني عن نهر ابان ، حتى وافى سوق الخميس ، ولحق سليمان بن جامع بنهر الأمير ، وقد كان القوم حين لقوا أبا العباس أجالوا الرأي بينهم ، فقالوا : هذا فتى حدث ، لم تطل ممارسته الحروب وتدربه بها ، فالرأي لنا ان نرميه بحدنا كله ، ونجتهد في أول لقيه نلقاه في إزالته ، فلعل ذلك ان يروعه ، فيكون سببا لانصرافه عنا ففعلوا ذلك ، وحشدوا واجتهدوا ، فأوقع الله بهم بأسه ونقمته وركب أبو العباس من غد يوم الوقعة ، حتى دخل واسطا في أحسن زي ، وكان يوم جمعه ، فأقام حتى صلى بها صلاه الجمعة ، واستأمن اليه خلق كثير ، ثم انحدر إلى العمر - وهو على فرسخ من واسط - فقدم فيه عسكره ، وقال : اجعل معسكري أسفل واسط ، ليأمن من فوقه الزنج وقد كان نصير المعروف بابى حمزه والشاه بن ميكال أشارا عليه ان يجعل مقامه فوق واسط فامتنع من ذلك ، وقال لهما : لست نازلا الا العمر ، فانزلا أنتما في فوهه بردودا واعرض أبو العباس عن مشاوره أصحابه واستماع شيء من آرائهم ، فنزل العمر ، وأخذ في بناء الشذوات ، جعل يراوح القوم القتال ويغاديهم ، وقد رتب خاصه غلمانه في سميريات فجعل في كل سميريه اثنين منهم ثم إن سليمان استعد وحشد وجمع وفرق أصحابه فجعلهم في ثلاثة أوجه : فرقه أتت من نهر ابان ، وفرقه من برتمرتا ، وفرقه من بردودا ، فلقيهم أبو العباس ، فلم يلبثوا ان انهزموا ، فخلفت طائفه منهم بسوق الخميس وطائفه بمازروان ، وأخذ قوم منهم في برتمرتا وآخرون أخذوا الماديان ، وقوم منهم اعتصموا للقوم الذين سلكوا الماديان ، فلم يرجع عنهم حتى وافى نهر برمساور ، ثم انصرف ، فجعل يقف على القرى والمسالك ، ومعه الأدلاء ، حتى وافى عسكره ، فأقام به مريحا نفسه وأصحابه ثم أتاه مخبر فأخبره ان