محمد بن جرير الطبري
535
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
له منينا في جماعه من الزنج ، فجعلهما كمينا في الصحراء مما يلي ميسره خيل تكين ، وأمرهما إذا جاوزهم خيل تكين ان يخرجوا من ورائهم فلما علم الجبائي ان سليمان قد احكم لهم خيله وامر الكمين ، رفع صوته ليسمع أصحاب تكين ، يقول لأصحابه : غررتموني واهلكتمونى ، وقد كنت أمرتكم الا تدخلوا هذا المدخل ، فأبيتم الا القائى وأنفسكم هذا الملقى الذي لا أرانا ننجو منه فطمع أصحاب تكين لما سمعوا قوله ، ووجدوا في طلبه ، وجعلوا ينادون : بلبل في قفص وسار الجبائي سيرا حثيثا ، واتبعوه يرشقونه بالسهام ، حتى جاوزوا موضع الكمين ، وقاربوا عسكر سليمان ، وهو كامن من وراء الجدر في خيله وأصحابه ، فزحف سليمان ، فتلقى الجيش ، وخرج الكمين من وراء الخيل ، وثنى الجبائي صدور سميرياته إلى من في النهر ، فاستحكمت الهزيمة عليهم من الوجوه كلها ، وركبهم الزنج يقتلونهم ويسلبونهم ، حتى قطعوا نحوا من ثلاثة فراسخ . ثم وقف سليمان وقال للجبائى : نرجع فقد غنمنا وسلمنا ، والسلامة أفضل من كل شيء فقال الجبائي : كلا ، قد نخبنا قلوبهم ، ونفذت حيلتنا فيهم ، والرأي ان نكسبهم في ليلتنا هذه ، فلعلنا ان نزيلهم عن عسكرهم ، ونفض جمعهم فاتبع سليمان رأى الجبائي ، وصار إلى عسكر تكين ، فوافاه في وقت المغرب ، فأوقع به ، ونهض تكين فيمن معه ، فقاتل قتالا شديدا ، فانكشف عنه سليمان وأصحابه ثم وقف سليمان وعبا أصحابه ، فوجه شبلا في خيل من خيله ، وضم اليه جمعا من الرجاله إلى الصحراء ، وامر الجبائي ، فسار في السميريات في بطن النهر ، وسار هو فيمن معه من أصحابه الخياله والرجاله ، فتقدم أصحابه حتى وافى تكين ، فلم يقف له أحد ، وانكشفوا جميعا وتركوا عسكرهم ، فغنم ما وجد فيه ، واحرق العسكر ، وانصرف إلى معسكره بما أصاب من الغنيمة ووافى عسكره ، فالفى كتاب الخبيث قد ورد بالاذن له في المصير إلى منزله ، فاستخلف الجبائي ، وحمل الاعلام التي أصابها من عسكر تكين والشذوات التي أخذها من المعروف بابى تميم ومن خشيش ومن