محمد بن جرير الطبري
50
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
العساكر قد أحدقت به وقف ، فنظر إليهما ، فقالا له : انزل ، فقال : ومن أنتما ؟ فقال أحدهما : أنا أبو سعيد ، والآخر : انا بوزباره ، فقال : نعم ، وثنى رجله ، فنزل ، وكان ابن سنباط ينظر اليه ، فرفع رأسه إلى ابن سنباط فشتمه ، وقال : انما بعتني لليهود بالشيء اليسير ، لو أردت المال وطلبته لأعطيتك أكثر مما يعطيك هؤلاء ، فقال له أبو سعيد : قم فاركب ، قال : نعم . فحملوه وجاءوا به إلى الافشين ، فلما قرب من العسكر صعد الافشين برزند ، فضربت له خيمه على برزند ، وامر الناس فاصطفوا صفين ، وجلس الافشين في فازه ، وجاءوا به ، وامر الافشين الا يتركوا عربيا يدخل بين الصفين فرقا ان يقتله انسان أو يجرحه ممن قتل أولياءه ، أو صنع به داهيه . وكان قد صار إلى الافشين نساء كثير وصبيان ، ذكروا ان بابك كان أسرهم ، وانهم أحرار من العرب والدهاقين ، فامر الافشين فجعلت لهم حظيرة كبيره ، وأسكنهم فيها ، واجرى لهم الخبز ، وامرهم ان يكتبوا إلى أوليائهم حيث كانوا ، فكان كل من جاء فعرف امراه أو صبيا أو جاريه ، وأقام شاهدين انه يعرفها وانها حرمه له أو قرابه دفعها اليه ، فجاء الناس ، فأخذوا منهم خلقا كثيرا ، وبقي منهم ناس كثير ينتظرون ان يجيء أولياؤهم . ولما كان ذلك اليوم الذي امر الافشين الناس ان يصطفوا ، فصار بين بابك وبينه قدر نصف ميل ، انزل بابك يمشى بين الصفين في دراعته وعمامته وخفيه ، حتى جاء فوقف بين يدي الافشين فنظر اليه الافشين ، ثم قال : انزلوا به إلى العسكر ، فنزلوا به راكبا ، فلما نظر النساء والصبيان الذين في الحظيرة اليه لطموا على وجوههم ، وصاحوا وبكوا حتى ارتفعت أصواتهم ، فقال لهم الافشين : أنتم بالأمس ، تقولون أسرنا ، وأنتم اليوم تبكون عليه ! عليكم لعنه الله قالوا : كان يحسن إلينا فامر به الافشين فادخل بيتا ، ووكل به رجالا من أصحابه . وكان عبد الله أخو بابك لما أقام بابك عند ابن سنباط ، صار إلى عيسى