محمد بن جرير الطبري

497

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فخلوا سفنهم ، وألقوا أنفسهم في غربي نهر العباس ، وأخذوا على طريق الزيدان ماضين نحو عسكر الخبيث ، ويحيى غار بما أصابهم ، لم يأته علم شيء من خبرهم ، وهو متوسط عسكره ، قد وقف على قنطره قورج العباس في موضع ضيق تشتد فيه جريه الماء ، فهو مشرف على أصحابه الزنج ، وهم في جر تلك السفن التي كانت معهم ، فمنها ما يغرق ، ومنها ما يسلم . قال محمد بن سمعان : وانا في تلك الحال معه واقف ، فاقبل على متعجبا من شده جريه الماء وشده ما يلقى أصحابه من تلقيه بالسفن ، فقال لي : ا رايت لو هجم علينا غدونا في هذه الحال ، من كان أسوأ حالا منا ! فما انقضى كلامه حتى وافاه طاشتمر التركي في الجيش الذي انفذه إليهم أبو احمد عند رجوعه من الأبله إلى نهر أبى الأسد ، ووقعت الضجة في عسكره . قال محمد : فنهضت متشوقا للنظر ، فإذا الاعلام الحمر قد أقبلت في الجانب الغربي من نهر العباس ويحيى به ، فلما رآها الزنج ألقوا أنفسهم في الماء جمله ، فعبروا إلى الجانب الشرقي ، وعرى الموضع الذي كان فيه يحيى ، فلم يبق معه الا بضعه عشر رجلا ، فنهض يحيى عند ذلك ، فاخذ درقته وسيفه ، واحتزم بمنديل ، وتلقى القوم الذين اتوه في النفر الذين معه ، فرشقهم أصحاب طاشتمر بالسهام ، واسرع فيهم الجراح ، وجرح البحراني بأسهم ثلاثة في عضديه وساقه اليسرى فلما رآه أصحابه جريحا تفرقوا عنه ، فلم يعرف فيقصد له فرجع حتى دخل بعض تلك السفن ، وعبر به إلى الجانب الشرقي من النهر ، وذلك وقت الضحى من ذلك اليوم ، وأثقلت يحيى الجراحات التي اصابته فلما رأى الزنج ما نزل به اشتد جزعهم ، وضعفت قلوبهم ، فتركوا القتال وكانت همتهم النجاة بأنفسهم ، وحاز أصحاب السلطان الغنائم التي كانت في السفن بالجانب الغربي من النهر ، فلما حووها اقعدوا في بعض تلك السفن النفاطين ، وعبروهم إلى شرقي النهر ، فاحرقوا ما كان هناك من السفن