محمد بن جرير الطبري
494
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
ويأمره بتقديم من قدر على تقديمه من الرجال ، فإنه لفي ذلك إذ أتاه المكتنى أبا دلف - وهو أحد قواد السودان - فقال له : ان القوم قد صعدوا وانهزم عنهم الزنج ، وليس في وجوههم من يردهم حتى انتهوا إلى الحبل الرابع . فصاح به وانتهره ، وقال : اغرب عنى فإنك كاذب فيما حكيت ، وانما ذلك جزع دخلك لكثرة ما رايت من الجمع ، فانخلع قلبك ، ولست تدرى ما تقول . فخرج أبو دلف من بين يديه ، واقبل على كاتبه ، وقد كان امر جعفر بن إبراهيم السجان بالنداء في الزنج وتحريكهم للخروج إلى موضع الحرب ، فأتاه السجان ، فأخبره انه قد ندب الزنج ، فخرجوا وان أصحابه قد ظفروا بسميريتين ، فأمره بالرجوع لتحريك الرجاله ، فرجع ولم يلبث بعد ذلك الا يسيرا ، حتى أصيب مفلح بسهم غرب لا يعرف الرامي به ، ووقعت الهزيمة ، وقوى الزنج على أهل حربهم ، فنالوهم بما نالوهم به من القتل ووافى الخبيث زنجه بالرءوس قابضين عليها بأسنانهم حتى ألقوها بين يديه ، فكثرت الرؤوس يومئذ حتى ملأت كل شيء ، وجعل الزنج يقتسمون لحوم القتلى ويتهادونها بينهم . واتى الخائن بأسير من أبناء الفراغنه ، فسأله عن راس الجيش ، فاعلمه بمكان أبى احمد ومفلح ، فارتاع لذكر أبى احمد - وكان إذا راعه امر كذب به - فقال : ليس في الجيش غير مفلح ! لانى لست اسمع الذكر الا له ، ولو كان في الجيش من ذكر هذا الأسير لكان صوته ابعد ، ولما كان مفلح الا تابعا له ، ومضافا إلى صحبته . وقد كان أهل عسكر الخبيث لما خرج عليهم أصحاب أبى احمد ، جزعوا جزعا شديدا ، وهربوا من منازلهم ، ولجئوا إلى النهر المعروف بنهر أبى الخصيب ولا جسر يومئذ عليه ، فغرق فيه يومئذ خلق كثير من النساء والصبيان ، ولم يلبث الخبيث بعد الوقعة الا يسيرا ، حتى وافاه علي بن ابان في جمع من أصحابه ، فوافاه وقد استغنى عنه ، ولم يلبث مفلح ان مات ، وتحيز أبو احمد