محمد بن جرير الطبري
485
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
قال ابن سمعان : فانى يومئذ لفي المسجد الجامع ، إذ ارتفعت نيران ثلاث من ثلاثة أوجه : زهران والمربد وبنى حمان في وقت واحد ، كان موقديها كانوا على ميعاد ، وذلك صدر يوم الجمعة ، وجل الخطب ، وأيقن أهل البصرة بالهلاك ، وسعى من كان في المسجد الجامع إلى منازلهم ، ومضيت مبادرا إلى منزلي ، وهو يومئذ في سكه المربد ، فلقيني منهزمو أهل البصرة في السكة راجعين نحو المسجد الجامع ، وفي أخراهم القاسم بن جعفر بن سليمان الهاشمي ، وهو على بغل متقلد سيفا يصيح بالناس : ويحكم ! ا تسلمون بلدكم وحرمكم ! هذا عدوكم قد دخل البلد ، فلم يلووا عليه ، ولم يسمعوا منه ، فمضى وانكشفت سكه المربد ، فصار بين المنهزمين والزنج فيها فضاء يسافر فيه البصر . قال محمد : فلما رايت ذلك دخلت منزلي ، وأغلقت بابى ، وأشرفت فإذا خيل من الاعراب ورجاله الزنج ، تقدمهم رجل على حصان كميت ، بيده رمح ، عليه عذبه صفراء ، فسالت بعد ان صير بي إلى مدينه الخائن عن ذلك الرجل ، فادعى علي بن ابان انه ذلك الرجل ، وان الراية الصفراء رايته ، ودخل القوم ، فغابوا في سكه المربد إلى أن بلغوا باب عثمان ، وذلك بعد الزوال ثم انصرفوا ، فظن الناس من رعاع أهل البصرة وجهالهم ان القوم قد مضوا لصلاة الجمعة ، وكان الذي صرفهم انهم خشوا ان يخرج عليهم جمع السعدية والبلاليه من المربعة ، وخافوا الكمناء هناك ، فانصرفوا وانصرف من كان بناحيه زهران وبنى حصن ، وذلك بعد ان احرقوا وانهبوا واقتدروا على البلد ، وعلموا انه لا مانع لهم منه ، فاغبوا السبت والأحد ، ثم غادوا البصرة يوم الاثنين ، فلم يجدوا عنها مدافعا ، وجمع الناس إلى باب إبراهيم بن يحيى المهلبي وأعطوا الأمان . قال محمد بن سمعان : فحدثني الحسن بن عثمان المهلبي الملقب بمندلقه - وكان من أصحاب يحيى بن محمد - قال : أمرني يحيى في تلك الغداة بالمصير