محمد بن جرير الطبري
367
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
حرك حمل ، وان نهش قتل ، عدته عتيده ، ونقمته شديده ، يلقى الجيش في النفر القليل العدد بقلب أشد من الحديد طالب للثار ، لا يفله العساكر ، باسل الباس ، مقتضب الأنفاس لا يعوزه ما طلب ، ولا يفوته من هرب ، وأرى الزناد ، مطلع العماد ، لا تشرهه الرغائب ، ولا تعجزه النوائب ، ان ولى كفى ، وان وعد وفى ، وان نازل فبطل ، وان قال فعل ، ظله لوليه ظليل ، وبأسه في الهياج عليه دليل ، يفوق من ساماه ، ويعجز من ناواه ، ويتعب من جاراه ، وينعش من والاه . فقام اليه رجل من القوم ، فقال : قد جمع الله لك يا أمير المؤمنين فضائل الأدب ، وخصك بإرث النبوة ، والقى إليك ازمه الحكمة ، ووفر نصيبك من حباء الكرامة ، وفسح لك في الفهم ، ونور قلبك بأنفس العلوم وصفاء الذهن ، فافصح عن القلب البيان ، وأدرك فهمك يا أمير المؤمنين ما والله خبىء على من لم يحب بما حبيت من المنن العظام ، والأيادي الجسام ، والفضائل المحمودة ، وشرف الطباع فنطقت الحكمة على لسانك ، فما ظننته فهو صواب ، وما فهمته فهو الحق الذي لا يعاب ، وأنت والله يا أمير المؤمنين نسيج وحده ، وقريع دهره ، لا يبلغ كليه فضله الوصف ، ولا يحصر اجزاء شرف فضله النعت . ثم امر أمير المؤمنين بالعقد لأنصاره على النواحي ، وأطلقهم في اشعار أعدائهم وابشارهم ودمائهم ، فلما بلغ محمد بن عبد الله ما امر به في النواحي أنشأ كتابا نسخته : اما بعد فان زيغ الهوى صدف بكم عن حزم الرأي ، فاقحمكم حبائل الخطا ، ولو ملكتم الحق عليكم ، وحكمتم به فيكم لاوردكم البصيرة ، ونفى عنكم غيايه الحيرة ، والان فان تجنحوا للسلم تحقنوا دماءكم ، وترغدوا عيشكم ، ويصفح أمير المؤمنين عن جريره جارمكم ، واخلى لكم ذروه سبوغ النعمة عليكم ، وان مضيتم على غلوائكم ، وسول لكم الأمل أسوأ اعمالكم ، فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، بعد نبذ المعذرة إليكم ، واقامه الحجة عليكم ،