محمد بن جرير الطبري

301

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

بالرجال والعدة ، ووكل بكل ناحية من يقوم بحفظها وحراستها ، ويكف عن الرعية بوائق أعدائهم ، ووكل بكل باب من الأبواب قائدا في جمع كثيف ، ورتب على السور من يراعيه في الليل والنهار وبث الرجال ليعرف اخبار أعداء الله في حركاتهم ونهوضهم ومقامهم وتصرفهم ، فيعامل كل حال لهم بحال يفت الله في اعضادهم بها . فلما كان يوم الأربعاء لإحدى عشره ليله بقيت من صفر ، وافى الجيش الذي انهضوه من الجانب الغربي الباب المعروف بباب قطربل ، فوقفوا بإزاء الناكثين المعسكرين بالجانب الشرقي من دجلة في عدد لا يسعه الا الفضاء ، ولا يحمله الا المجال الفسيح ، وقد تواعدوا ان يكون دنوهم من الأبواب معا لشغل الأولياء بحربهم من الجهات ، فيضعفوا عنهم ويغلبوا حقهم بباطلهم ، املا كاذبا كادهم الله فيه غير صادق ، وظنا خائبا لله فيه قضاء نافذ . وانهض محمد بن عبد الله نحوهم محمد بن أبي عون وبندار بن موسى الطبري مولى أمير المؤمنين وعبد الله بن نصر بن حمزه من باب قطربل ، وامرهم بتقوى الله وطاعته ، والاتباع لأمره والتصرف مع كتابه ، والتوقف عن الحرب حتى تسبق التذكرة الاسماع ، وتزول الحجة بالتتابع منهم والاصرار ، فنفذوا في جمع يقابل جمعهم ، مستبصرين في حق الله عليهم ، مسارعين إلى لقاء عدوهم ، محتسبين خطاهم ومسيرهم ، واثقين بالثواب الأجل والجزاء العاجل فتلقاهم ومن معهم أعداء الله ، قد أطلقوا نحوهم اعنتهم ، واشرعوا لنحورهم اسنتهم ، لا يشكون انهم نهزه المختلس ، وغنيمه المنتهب ، فنادوهم بالموعظة نداء مسمعا ، فمجتها اسماعهم ، وعميت عنها أبصارهم ، وصدقهم أولياء الله في لقائهم ، بقلوب مستجمعه لهم ، وعلم بان الله لا يخلف وعده فيهم ، فجالت الخيل بهم جولة ، وعاودت كره بعد كره عليهم ، طعنا بالرماح ، وضربا بالسيوف ، ورشقا بالسهام ، فلما مسهم ألم جراحها ، وكلمتهم الحرب بأنيابها ، ودارت