محمد بن جرير الطبري

299

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ثم إن هؤلاء الناكثين جمعوا جمعا من الأتراك والمغاربة ، ومن ولج في سوادهم ، ودخل في غمارهم ، مؤاتيا للفتنة من الفاف الغى ، وراسوا عليهم المعروف بابى أحمد بن المتوكل ، ثم ساروا نحو مدينه السلام في الجانب الشرقي ، معلنين للبغي والاقتدار ، مظهرين للغي والاصرار ، فتاناهم أمير المؤمنين ، وفسح لهم في النظره لهم ، وامر بالكتاب إليهم بما فيه تبصيرهم الرشد ، وتذكيرهم بما قدموا من البيعة ، وأفهامهم ما لله عليهم وله في ذلك من الحق ، وان خروجهم مما دخلوا فيه من بيعتهم طوعا ، الخروج من دين الله والبراءة منه ومن رسوله ، وتحريمهم أموالهم ونساءهم عليهم ، وان في تمسكهم به سلامه أديانهم ، وبقاء نعمتهم ، والاحتراس من حلول النقم بهم ، وان يبين لهم ما سلف من بلائه عندهم ، من أسنى المواهب ، وارفع الرغائب ، والاختصاص بسنى المراتب ، والتقدم في المحافل ، فأبوا الا تماديا ونفارا ، وتمسكا بالغى وإصرارا . فقلد أمير المؤمنين نصيحه المؤتمن ووليه محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين تدبير أمورهم ودعائهم إلى الحق ما كانت الإنابة أو محاربتهم ان جنح بهم غيهم ، وتتابعوا في ضلالهم ، فلم يالهم نظرا وإفهاما ، وتبيينا وإرشادا ، وهم في ذلك رافعون أصواتهم بالتوعد لأهل لمدينه السلام ، بسفك دمائهم وسبى نسائهم وتغنم أموالهم ، وقبل ذلك ما كانوا في مسيرهم على السبيل التي يستعملها أهل الشرك في غاراتهم ، ويميلون إليها عند امكان النهزة لهم ، لا يجتازون بعامر الا اخربوه ، ولا بحريم لمسلم ولا غيره الا أباحوه ، ولا بمسلم يعجز عنهم الا قتلوه ، ولا بمال لمسلم ولا ذمي الا اخذوه ، حتى انتقل كثير ممن سبقت اليه اخبارهم ممن امامهم عن أوطانهم ، وفارقوا منازلهم ورباعهم ، وفزعوا إلى باب أمير المؤمنين تحصنا من معرتهم ، لا يمرون بغنى الا خلعوا عنه لباس الغنى ، ولا بمستور الا هتكوا عن الذرية والنساء ستره ، لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً ، ولا يتوقفون عن مسلم بهتك ولا مثله ، ولا يرغبون عما حرم الله من دم ولا حرمه . ثم تلقوا التذكرة بالحرب ، وقابلوا الموعظة بالإصرار على الذنب ، وعارضوا