محمد بن جرير الطبري

25

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

هذا ، وكان ذلك قبل صلاه العصر فبعث بغا إلى داود سياه : قد توسطنا الموضع الذي نعرفه - يعنى الذي كنا فيه في المرة الأولى - وهذا وقت المساء ، وقد تعب الرجاله ، فانظر جبلا حصينا يسع عسكرنا حتى نعسكر فيه ليلتنا هذه فالتمس داود سياه ذلك ، فصعد إلى بعض الجبال ، فالتمس أعلاه فأشرف ، فرأى اعلام الافشين ومعسكره شبه الخيال فقال : هذا موضعنا إلى غدوه ، وننحدر من الغد إلى الكافر إن شاء الله فجاءهم في تلك الليلة سحاب وبرد ومطر وثلج كثير ، فلم يقدر أحد حين أصبحوا ان ينزل من الجبل يأخذ ماء ، ولا يسقى دابته من شده البرد وكثره الثلج ، وكأنهم كانوا في ليل من شده الظلمة والضباب فلما كان اليوم الثالث قال الناس لبغا : قد فنى ما معنا من الزاد ، وقد اضربنا البرد ، فانزل على اى حاله كانت ، اما راجعين واما إلى الكافر وكان في أيام الضباب فبيت بابك الافشين ونقض عسكره ، وانصرف الافشين عنه إلى معسكره ، فضرب بغا بالطبل ، وانحدر يريد البذ حتى صار إلى البطن ، فنظر إلى السماء منجليه ، والدنيا طيبه ، غير راس الجبل الذي كان عليه بغا ، فعبى بغا أصحابه ميمنه وميسره ومقدمه ، وتقدم يريد البذ ، وهو لا يشك ان الافشين في موضع معسكره ، فمضى حتى صار بلزق جبل البذ ، ولم يبق بينه وبين ان يشرف على ابيات البذ الا صعود قدر نصف ميل ، وكان على مقدمته جماعه فيهم غلام لابن البعيث ، له قرابه بالبذ ، فلقيتهم طلائع لبابك ، فعرف بعضهم الغلام ، فقال له : فلان ، فقال : من هذا هاهنا ؟ فسمى له من كان معه من أهل بيته ، فقال : ادن حتى أكلمك ، فدنا الغلام منه ، فقال له : ارجع وقل لمن تعنى به يتنحى ، فانا قد بيتنا الافشين ، وانهزم إلى خندقه وقد هيأنا لكم عسكرين ، فعجل الانصراف لعلك ان تفلت فرجع الغلام فأخبر ابن البعيث بذلك ، وسمى له الرجل ، فعرفه ابن البعيث ، فأخبر ابن البعيث بغا بذلك ، فوقف بغا شاور أصحابه ، فقال بعضهم : هذا باطل ، هذه