محمد بن جرير الطبري

21

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ونهيه ، وارادته وحكمه ، فكانت هذه صفته ومقداره ، حتى حملته الدالة ، وحركته الحرمة على خلافه في بعض ما كان يأمره به ، ومنعه ما كان يحتاج اليه من الأموال في مهم أموره ، فذكر عن ابن أبي داود أنه قال : كنت احضر مجلس المعتصم ، فكثيرا ما كنت اسمعه يقول للفضل بن مروان : احمل إلى كذا وكذا من المال ، فيقول : ما عندي ، فيقول : فاحتلها من وجه من الوجوه ، فيقول : ومن اين احتالها ! ومن يعطيني هذا القدر من المال ؟ وعند من أجده ؟ فكان ذلك يسوءه واعرفه في وجهه ، فلما كثر هذا من فعله ركبت اليه يوما فقلت له مستخليا به : يا أبا العباس ، ان الناس يدخلون بيني وبينك بما اكره وتكره ، وأنت امرؤ قد عرفت اخلاقك ، وقد عرفها الداخلون بيننا ، فإذا حركت فيك بحق فاجعله باطلا ، وعلى ذلك فما ادع نصيحتك وأداء ما يجب على في الحق لك ، وقد أراك كثيرا ما ترد على أمير المؤمنين اجوبه غليظه ترمضه ، وتقدح في قلبه ، والسلطان لا يحتمل هذا لابنه ، لا سيما إذا كثر ذلك وغلظ قال : وما ذاك يا أبا عبد الله ؟ قلت : اسمعه كثيرا ما يقول لك : نحتاج إلى كذا من المال لنصرفه في وجه كذا ، فتقول : ومن يعطيني هذا ! وهذا ما لا يحتمله الخلفاء ، قال : فما اصنع إذا طلب منى ما ليس عندي ؟ قلت : تصنع ان تقول : يا أمير المؤمنين ، نحتال في ذاك بحيله ، فتدفع عنك أياما إلى أن يتهيأ ، وتحمل اليه بعض ما يطلب وتسوفه بالباقي ، قال : نعم افعل وأصير إلى ما أشرت به قال : فوالله لكأني كنت اغريه بالمنع ، فكان إذا عاوده بمثل ذلك من القول ، عاد إلى مثل ما يكره من الجواب قال : فلما كثر ذلك عليه ، دخل يوما اليه وبين يديه حزمه نرجس غض ، فأخذها المعتصم فهزها ، ثم قال : حياك الله يا أبا العباس ! فأخذها الفضل بيمينه ، وسل