محمد بن جرير الطبري

159

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

مسرور سمانه ، بعد ان اشترى للخليفة ، وقيل لمحمد بن عبد الملك : وكل ببيع متاعك واتوه بالعباس بن أحمد بن رشيد كاتب عجيف ، فوكله بالبيع عليه ، فلم يزل أياما في حبسه مطلقا ، ثم امر بتقييده فقيد ، وامتنع من الطعام ، وكان لا يذوق شيئا ، وكان شديد الجزع في حبسه ، كثير البكاء ، قليل الكلام ، كثير التفكر ، فمكث أياما ثم سوهر ، ومنع من النوم ، يساهر وينخس بمسله ، ثم ترك يوما وليله ، فنام وانتبه ، فاشتهى فاكهة وعنبا ، فاتى به ، فأكل ثم أعيد إلى المساهرة ، ثم امر بتنور من خشب فيه مسامير حديد قيام فذكر عن ابن أبي دواد وأبى الوزير انهما قالا : هو أول من امر بعمل ذلك ، فعذب به ابن أسباط المصري حتى استخرج منه جميع ما عنده ، ثم ابتلى به فعذب به أياما . فذكر عن الدندانى الموكل بعذابه أنه قال : كنت اخرج واقفل الباب عليه ، فيمد يديه إلى السماء جميعا حتى يدق موضع كتفيه ، ثم يدخل التنور فيجلس ، والتنور فيه مسامير حديد وفي وسطه خشبة معترضه ، يجلس عليها المعذب ، إذا أراد ان يستريح ، فيجلس على الخشبة ساعة ، ثم يجيء الموكل به ، فإذا هو سمع صوت الباب يفتح قام قائما كما كان ، ثم شددوا عليه . قال المعذب له : خاتلته يوما ، واريته انى اقفلت الباب ولم اقفله ، انما اغلقته بالقفل ، ثم مكثت قليلا ، ثم دفعت الباب غفله ، فإذا هو قاعد في التنور على الخشبة ، فقلت : أراك تعمل هذا العمل ! فكنت إذا خرجت بعد ذلك شددت خناقه ، فكان لا يقدر على القعود ، واستللت الخشبة حتى كانت تكون بين رجليه ، فما مكث بعد ذلك الا أياما حتى مات . واختلف في الذي قتل به ، فقيل : بطح ، فضرب على بطنه خمسين مقرعه ، ثم قلب فضرب على استه مثلها ، فمات وهو يضرب ، وهم لا يعلمون ، فأصبح ميتا قد التوت عنقه ، ونتفت لحيته وقيل : مات بغير ضرب وذكر عن مبارك المغربي أنه قال : ما أظنه اكل في طول حبسه الا رغيفا