محمد بن جرير الطبري
126
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
قال : فتحدثنا عامه الليل ، فقال الواثق : من منكم يعلم السبب الذي به وثب جدي الرشيد على البرامكه فأزال نعمتهم ؟ قال عزون : فقلت : انا والله أحدثك يا أمير المؤمنين ، كان سبب ذلك ان الرشيد ذكرت له جاريه لعون الخياط ، فأرسل إليها فاعترضها ، فرضى جمالها وعقلها وحسن أدبها ، فقال لعون : ما تقول في ثمنها ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، امر ثمنها واضح مشهور ، حلفت بعتقها وعتق رقيقي جميعا وصدقه مالي الايمان المغلظة التي لا مخرج منها لي ، وأشهدت على بذلك العدول الا انقص ثمنها عن مائه ألف دينار ، ولا احتال في ذلك بشيء من الحيل ، هذه قضيتها فقال أمير المؤمنين : قد أخذتها منك بمائه ألف دينار ، ثم ارسل إلى يحيى بن خالد يخبره بخبر الجارية ، ويأمره ان يرسل اليه بمائه ألف دينار ، فقال يحيى : هذا مفتاح سوء ، إذا اجترأ في ثمن جاريه واحده على طلب مائه ألف دينار فهو احرى ان يطلب المال على قدر ذلك ، فأرسل يخبره انه لا يقدر على ذلك ، فغضب عليه الرشيد ، وقال : ليس في بيت مالي مائه ألف دينار ، فأعاد عليه : لا بد منها ، فقال يحيى : اجعلوها دراهم ، ليراها فيستكثرها ، فلعله يردها ، فأرسل بها دراهم ، وقال : هذه قيمه مائه ألف دينار ، وامر ان توضع في رواقه الذي يمر فيه إذا أراد المتوضأ لصلاة الظهر قال : فخرج الرشيد في ذلك الوقت ، فإذا جبل من بدر ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : ثمن الجارية ، لم تحضر دنانير ، فأرسل قيمتها دراهم ، فاستكثر الرشيد ذلك ، ودعا خادما له ، فقال : اضمم هذه إليك ، واجعل لي بيت مال لاضم اليه ما أريده وسماه بيت مال العروس ، وامر برد الجارية إلى عون ، وأخذ في التفتيش عن المال ، فوجد البرامكه قد استهلكوه ، فاقبل يهم بهم ويمسك ، فكان يرسل إلى الصحابة وإلى قوم من أهل الأدب من غيرهم فيسامرهم ، ويتعشى معهم ، فكان فيمن يحضر انسان كان معروفا بالأدب ، وكان يعرف بكنيته يقال له أبو العود ، فحضر ليله فيمن حضره ، فأعجبه حديثه ، فامر خادما له ان يأتي يحيى بن خالد