محمد بن جرير الطبري

57

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فيمن اختار منهم ، ونفذت مشيئته فيما يستودعه إياه من خلافته وارث نبيه ، فمؤمنهم مجاهد بنصرته وحميته ، يدفعون من نابذه ، وينهرون من عاره وعانده ، ويتوثقون له ممن كانفه وعاضده ، ويبايعون له من سمح بنصرته ، ويتجسسون له اخبار أعدائه ، ويكيدون له بظهر الغيب كما يكيدون له براي العين ، حتى بلغ المدى ، وحان وقت الاهتداء ، فدخلوا في دين الله وطاعته وتصديق رسوله ، والايمان به ، باثبت بصيره ، وأحسن هدى ورغبه ، فجعلهم الله أهل بيت الرحمة ، وأهل بيت الدين - « اذهب عنهم الرجس وطهرهم تَطْهِيراً » - ومعدن الحكمة ، وورثه النبوة وموضع الخلافة ، وأوجب لهم الفضيلة ، والزم العباد لهم الطاعة . وكان ممن عانده ونابذه ، وكذبه وحاربه من عشيرته ، العدد الأكثر ، والسواد الأعظم ، يتلقونه بالتكذيب والتثريب ، ويقصدونه بالأذية والتخويف ، ويبادونه بالعداوة ، وينصبون له المحاربة ، ويصدون عنه من قصده ، وينالون بالتعذيب من اتبعه وأشدهم في ذلك عداوة وأعظمهم له مخالفه ، وأولهم في كل حرب ومناصبه ، لا يرفع على الاسلام رايه الا كان صاحبها وقائدها ورئيسها ، في كل مواطن الحرب ، من بدر وأحد والخندق والفتح أبو سفيان بن حرب وأشياعه من بنى أمية ، الملعونين في كتاب الله ، ثم الملعونين على لسان رسول الله في عده مواطن ، وعده مواضع ، لماضى علم الله فيهم وفي امرهم ، ونفاقهم وكفر أحلامهم ، فحارب مجاهدا ، ودافع مكابدا ، وأقام منابذا حتى قهره السيف ، وعلا امر الله وهم كارهون ، فتقول بالإسلام غير منطو عليه ، وأسر الكفر غير مقلع عنه ، فعرفه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، وميز له المؤلفة قلوبهم ، فقبله وولده على علم منه ، فمما لعنهم الله به على لسان نبيه ص ، وانزل به كتابا قوله :