محمد بن جرير الطبري

91

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

لا يقوم رجل هذا المقام الا أوجعت ظهره ، وأطلت حبسه ثم قال : خذه إليك يا ربيع ، قال : فوثقنا له بالنجاة - وكانت العلامة فيه إذا أراد بالرجل مكروها قال : خذه إليك يا مسيب - قال : ثم رجع في خطبته من الموضع الذي كان قطعه ، فاستحسن الناس ذلك منه ، فلما فرغ من الصلاة دخل القصر ، وجعل عيسى بن موسى يمشى على هينته خلفه ، فأحس به أبو جعفر ، فقال : أبو موسى ؟ فقال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : كأنك خفتنى على هذا الرجل ! قال : والله لقد سبق إلى قلبي بعض ذلك ، الا ان أمير المؤمنين أكثر علما ، وأعلى نظرا من أن يأتي في امره الا الحق ، فقال : لا تخفنى عليه فلما جلس قال : على بالرجل ، فاتى به ، فقال : يا هذا ، انك لما رأيتني على المنبر ، قلت ، هذا الطاغيه لا يسعني الا ان أكلمه ، ولو شغلت نفسك بغير هذا لكان أمثل لك ، فاشغلها بظماء الهواجر ، وقيام الليل ، وتغبير قدميك في سبيل الله ، انطه يا ربيع أربعمائة درهم ، واذهب فلا تعد . وذكر عن عبد الله بن صاعد ، مولى أمير المؤمنين أنه قال : حج المنصور بعد بناء بغداد ، فقام خطيبا بمكة ، فكان مما حفظ من كلامه : « وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ » ، امر مبرم ، وقول عدل ، وقضاء فصل ، والحمد لله الذي أفلج حجته ، وبعدا للقوم الظالمين ، الذين اتخذوا الكعبة عرضا ، والفيء إرثا ، و جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ، لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزئون ، فكم ترى من بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ، اهملهم الله حتى بدلوا السنة ، واضطهدوا العترة ، وعندوا واعتدوا ، واستكبروا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ، ثم اخذهم ، ف هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ! وذكر الهيثم بن عدي ، عن ابن عياش ، قال : ان الاحداث لما تتابعت