محمد بن جرير الطبري
87
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
فيعرض عليه الكتاب ليفتيه فيه برخصه ، فكانت أم موسى إذا علمت مكانه بادرته ، فأرسلت اليه بمال جزيل ، فإذا عرض عليه أبو جعفر الكتاب لم يفته فيه برخصه ، حتى ماتت بعد عشر سنين من سلطانه ببغداد ، فاتته وفاتها بحلوان ، فأهديت له في تلك الليلة مائه بكر ، وكانت أم موسى ولدت له جعفرا والمهدى . وذكر عن علي بن الجعد أنه قال : لما قدم بختيشوع الأكبر على المنصور من السوس ، ودخل عليه في قصره بباب الذهب ببغداد ، امر له بطعام يتغدى به ، فلما وضعت المائدة بين يديه ، قال : شراب ، فقيل له : ان الشراب لا يشرب على مائدة أمير المؤمنين ، فقال : لا آكل طعاما ليس معه شراب ، فأخبر المنصور بذلك ، فقال : دعوه ، فلما حضر العشاء فعل به مثل ذلك ، فطلب الشراب ، فقيل له : لا يشرب على مائدة أمير المؤمنين الشراب ، فتعشى وشرب ماء دجلة ، فلما كان من الغد نظر إلى مائه ، فقال : ما كنت احسب شيئا يجزى من الشراب ، فهذا ماء دجلة يجزى من الشراب وذكر عن يحيى بن الحسن ان أباه حدثه ، قال : كتب المنصور إلى عامله بالمدينة ان بع ثمار الضياع ولا تبعها الا ممن نغلبه ولا يغلبنا ، فإنما يغلبنا المفلس الذي لا مال له ، ولا رأى لنا في عذابه ، فيذهب بما لنا قبله ولو أعطاك جزيلا ، وبعها من الممكن بدون ذلك ممن ينصفك ويوفيك . وذكر أبو بكر الهذلي ان أبا جعفر كان يقول : ليس بانسان من اسدى اليه معروف فنسيه دون الموت . وقال الفضل بن الربيع : سمعت المنصور يقول : كانت العرب تقول : الغوى الفادح خير من الري الفاضح . وذكر عن أبان بن يزيد العنبري ان الهيثم القارئ البصري قرأ عند المنصور « وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً » ، إلى آخر الآية ، فقال له المنصور ، وجعل يدعو : اللهم جنبنى وبنى التبذير فيما أنعمت به علينا من عطيتك