محمد بن جرير الطبري
654
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
في شعري وامدحك عند الخليفة ، افهم هذا قلت : قد صدقت ، فقال : اما إذ أبديت ما في ضميرك ، فقد ذكرتك ، وأثنيت عليك ، فقلت : فانشدنى ما قلت ، فانشدنيه ، فقلت : أحسنت ، ثم ودعني وخرج فاتى الشام ، وإذا المأمون بسلغوس قال : فأخبرني ، قال : بينا انا في غزاه قره ، قد ركبت نجيبي ذاك ، ولبست مقطعاتى ، وانا أروم العسكر ، فإذا انا بكهل على بغل فاره ما يقر قراره ، ولا يدرك خطاه قال : فلتقانى مكافحه ومواجهه ، وانا أردد نشيد ارجوزتى ، فقال : سلام عليكم - بكلام جهوري ولسان بسيط - فقلت : وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته ، قال : قف ان شئت ، فوقفت فتضوعت منه رائحة العنبر والمسك الأذفر ، فقال : ما اولك ؟ قلت : رجل من مضر ، قال : ونحن من مضر ، ثم قال : ثم ما ذا ؟ قلت : رجل من بنى تميم ، قال : وما بعد تميم ؟ قلت : من بنى سعد ، قال : هيه ، فما أقدمك هذا البلد ؟ قال : قلت : قصدت هذا الملك الذي ما سمعت بمثله اندى رائحة ، ولا أوسع راحه ، ولا أطول باعا ، ولا أمد يفاعا منه . قال : فما الذي قصدته به ؟ قلت : شعر طيب يلذ على الأفواه ، وتقتفيه الرواه ، ويحلو في آذان المستمعين ، قال : فانشدنيه ، فغضبت وقلت : يا ركيك ، أخبرتك انى قصدت الخليفة بشعر قلته ، ومديح حبرته ، تقول : أنشدنيه ! قال : فتغافل والله عنها ، وتطامن لها ، والغى عن جوابها ، قال : وما الذي تأمل منه ؟ قلت : ان كان على ما ذكر لي عنه فألف دينار ، قال : فانا أعطيك ألف دينار ان رايت الشعر جيدا والكلام عذبا وأضع عنك العناء ، وطول الترداد ، ومنى تصل إلى الخليفة وبينك وبينه عشره آلاف رامح ونابل ! قلت : فلي الله عليك ان تفعل ! قال : نعم لك الله على أن افعل ، قلت : ومعك الساعة مال ؟ قال : هذا بغلي وهو خير من ألف دينار ، انزل لك عن ظهره ، قال : فغضبت أيضا وعارضني نرق سعد وخفه أحلامها ، فقلت : ما يساوى هذا البغل هذا النجيب ! قال :