محمد بن جرير الطبري
649
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
ولا ينهين إليك امر فيه صلاح للمسلمين ومنفعه لهم الا قدمته وآثرته على غيره من هواك ، وخذ من اقويائهم لضعفائهم ، ولا تحمل عليهم في شيء ، وانصف بعضهم من بعض بالحق بينهم ، وقربهم وتأتهم ، وعجل الرحلة عنى ، والقدوم إلى دار ملكك بالعراق ، وانظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم فلا تغفل عنهم في كل وقت والخرمية فاغزهم ذا حزامه وصرامه وجلد ، واكنفه بالأموال والسلاح والجنود من الفرسان والرجاله ، فان طالت مدتهم فتجرد لهم بمن معك من أنصارك وأوليائك ، واعمل في ذلك عمل مقدم النية فيه ، راجيا بثواب الله عليه واعلم أن العظة إذا طالت أوجبت على السامع لها والموصى بها الحجة ، فاتق الله في امرك كله ، ولا تفتن . ثم دعا أبا إسحاق بعد ساعة حين اشتد به الوجع ، وأحس بمجيء امر الله فقال له : يا أبا إسحاق ، عليك عهد الله وميثاقه وذمه رسول الله ص لتقومن بحق الله في عباده ، ولتؤثرن طاعته على معصيته ، إذ انا نقلتها من غيرك إليك ؟ قال : اللهم نعم ، قال : فانظر من كنت تسمعني أقدمه على لساني فاضعف له التقدمه ، عبد الله بن طاهر أقره على عمله ولا تهجه ، فقد عرفت الذي سلف منكما أيام حياتي وبحضرتي ، استعطفه بقلبك ، وخصه ببرك ، فقد عرفت بلاءه وغناءه عن أخيك وإسحاق بن إبراهيم فاشركه في ذلك ، فإنه أهل له وأهل بيتك ، فقد علمت أنه لا بقية فيهم وان كان بعضهم يظهر الصيانة لنفسه عبد الوهاب عليك به من بين أهلك ، فقدمه عليهم ، وصير امرهم اليه وأبو عبد الله بن أبي داود فلا يفارقك ، وأشركه في المشورة في كل امرك ، فإنه موضع لذلك منك ، ولا تتخذن بعدي وزيرا تلقى اليه شيئا ، فقد علمت ما نكبنى به يحيى بن أكثم في معاملة الناس وخبث سيرته حتى ابان الله ذلك منه في صحه منى ، فصرت إلى مفارقته ! قاليا له غير راض بما صنع في أموال الله وصدقاته ، لا جزاه الله عن الاسلام خيرا ! وهؤلاء بنو عمك من ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ،