محمد بن جرير الطبري

64

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

إلى الناس ، وأشد احتمالا لما يكون من عبث الصبيان ، فإذا لبس ثيابه تغير لونه وتربد وجهه ، واحمرت عيناه ، فيخرج فيكون منه ما يكون ، فإذا قام من مجلسه رجع بمثل ذلك ، فنستقبله في ممشاه ، فربما عاتبناه . وقال لي يوما : يا بنى إذا رأيتني قد لبست ثيابي أو رجعت من مجلسي ، فلا يدنون منى أحد منكم مخافه ان اعره بشيء . وذكر أبو الهيثم خالد بن يزيد بن وهب بن جرير بن حازم ، قال : حدثني عبد الله بن محمد - يلقب بمنقار من أهل خراسان وكان من عمال الرشيد - قال : حدثني معن بن زائده ، قال : كنا في الصحابة سبعمائة رجل ، فكنا ندخل على المنصور في كل يوم ، قال : فقلت للربيع : اجعلني في آخر من يدخل ، فقال لي : لست باشرفهم فتكون في أولهم ، ولا باخسهم نسبا فتكون في آخرهم ، وان مرتبتك لتشبه نسبك قال : فدخلت على المنصور ذات يوم وعلى دراعه فضفاضة وسيف حنفي اقرع بنعله الأرض ، وعمامة قد سدلتها من خلفي وقدامي قال : فسلمت عليه وخرجت ، فلما صرت عند الستر صاح بي : يا معن ، صيحه أنكرتها ! فقلت : لبيك يا أمير المؤمنين ! قال : إلى ، فدنوت منه ، فإذا به قد نزل عن عرشه إلى الأرض ، وجثا على ركبتيه ، واستل عمودا من بين فراشين ، واستحال لونه ودرت أوداجه ، فقال : انك لصاحبي يوم واسط ، لا نجوت ان نجوت منى قال : قلت يا أمير المؤمنين ، تلك نصرتي لباطلهم ، فكيف نصرتي لحقك ! قال : فقال لي : كيف قلت ؟ فأعدت عليه القول ، فما زال يستعيدنى حتى رد العمود في مستقره ، واستوى متربعا ، وأسفر لونه ، فقال : يا معن ، ان لي باليمن هنات ، قلت : يا أمير المؤمنين ليس لمكتوم رأى ، قال : فقال : أنت صاحبي ، فجلست ، وامر الربيع باخراج كل من كان في القصر فخرج ، فقال لي : ان صاحب اليمن قد هم بمعصيتي ، وانى أريد ان آخذه أسيرا ولا يفوتني شيء من ماله ، فما ترى ؟ قال : قلت : يا أمير المؤمنين ، ولنى اليمن ، واظهر انك ضممتني اليه ، ومر الربيع يزيح علتي في كل ما احتاج اليه ، ويخرجني من يومى هذا لئلا ينتشر الخبر قال : فاستل عهدا من بين