محمد بن جرير الطبري

604

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ضربوا بالسياط ما خلا عمارا ، فإنه أو من لما كان من اقراره على القوم في المطبق ، فرفع بعض أهل المطبق انهم يريدون ان يشغبوا وينقبوا السجن - وكانوا قبل ذلك بيوم قد سدوا باب السجن من داخل فلم يدعوا أحدا يدخل عليهم - فلما كان الليل وسمعوا شغبهم ، بلغ المأمون خبرهم ، فركب إليهم من ساعته بنفسه ، فدعا بهؤلاء الأربعة فضرب أعناقهم صبرا ، واسمعه ابن عائشة شتما قبيحا ، فلما كانت الغداة صلبوا على الجسر الأسفل ، فلما كان من الغداة يوم الأربعاء انزل إبراهيم بن عائشة ، فكفن وصلى عليه ، ودفن في مقابر قريش ، وانزل ابن الإفريقي فدفن في مقابر الخيزران وترك الباقون . العفو عن إبراهيم بن المهدى وذكر ان إبراهيم بن المهدى لما أخذ صير به إلى دار أبى إسحاق بن الرشيد - وأبو إسحاق عند المأمون - فحمل رديفا لفرج التركي ، فلما ادخل على المأمون قال له : هيه يا إبراهيم ! فقال : يا أمير المؤمنين ، ولى الثار محكم في القصاص ، والعفو أقرب للتقوى ، ومن تناوله الاغترار بما مد له من أسباب الشقاء أمكن عاديه الدهر من نفسه ، وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب ، كما جعل كل ذي ذنب دونك ، فان تعاقب فبحقك ، وان تعف فبفضلك ، قال : بل اعفو يا إبراهيم ، فكبر ثم خر ساجدا . وقيل إن إبراهيم كتب بهذا الكلام إلى المأمون وهو مختف ، فوقع المأمون في حاشية رقعته : القدرة تذهب الحفيظة ، والندم توبه ، وبينهما عفو الله ، وهو أكبر ما نسأله ، فقال إبراهيم يمدح المأمون : يا خير من ذملت يمانيه به * بعد الرسول لايس ولطامع وابر من عبد الإله على التقى * عينا وأقوله بحق صادع عسل الفوارع ما أطعت فان تهج * فالصاب يمزج بالسمام الناقع