محمد بن جرير الطبري
575
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
يا أمير المؤمنين ، تركت لباس آبائك وأهل بيتك ودولتهم ، ولبست الخضرة . وكتب اليه في ذلك قواد أهل خراسان . وقيل إنه امر طاهر بن الحسين ان يسأله حوائجه ، فكان أول حاجه سأله ان يطرح لباس الخضرة ، ويرجع إلى لبس السواد وزي دوله الآباء ، فلما رأى طاعه الناس له في لبس الخضرة وكراهتهم لها ، وجاء السبت قعد لهم وعليه ثياب خضر ، فلما اجتمعوا عنده دعا بسواد فلبسه ، ودعا بخلعه سواد فالبسها طاهرا ، ثم دعا بعده من قواده ، فالبسهم أقبية وقلانس سودا ، فلما خرجوا من عنده وعليهم السواد ، طرح سائر القواد والجند لبس الخضرة ، ولبسوا السواد ، وذلك يوم السبت لسبع بقين من صفر . وقد قيل : ان المأمون لبس الثياب الخضر بعد دخوله بغداد سبعه وعشرين ، ثم مزقت . وقيل : انه لم يزل مقيما ببغداد في الرصافة حتى بنى منازل على شط دجلة عند قصره الأول ، وفي بستان موسى . وذكر عن إبراهيم بن العباس الكاتب ، عن عمرو بن مسعده ، ان احمد ابن أبي خالد الأحول قال : لما قدمنا من خراسان مع المأمون وصرنا في عقبه حلوان - وكنت زميله - قال لي : يا احمد ، انى أجد رائحة العراق ، فأجبت بغير جوابه ، وقلت : ما اخلقه ! قال : ليس هذا جوابي ، ولكني أحسبك سهوت أو كنت مفكرا ، قال : قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : فيم فكرت ؟ قال : قلت : يا أمير المؤمنين ، فكرت في هجومنا على أهل بغداد وليس معنا الا خمسون ألف درهم ، مع فتنه غلبت على قلوب الناس ، فاستعذبوها ، فكيف يكون حالنا ان هاج هائج ، أو تحرك متحرك ! قال : فاطرق مليا ، ثم قال : صدقت يا احمد ، ما أحسن ما فكرت ، ولكني أخبرك ، الناس على طبقات ثلاث في هذه المدينة : ظالم ، ومظلوم ، ولا ظالم ولا مظلوم ، فاما الظالم فليس يتوقع الا عفونا وامساكنا ، واما المظلوم فليس يتوقع ان ينتصف الا بنا ، ومن كان لا ظالما ولا مظلوما فبيته يسعه فوالله ما كان الا كما قال