محمد بن جرير الطبري

572

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

يدعو في مسجد الرصافة كما كان يدعو ، فإذا كان الليل رده إلى حبسه ، فمكث بذلك أياما ، فأتاه أصحابه ليكونوا معه ، فقال لهم : الزموا بيوتكم ، فانى ارزا هذا - يعنى إبراهيم - فلما كان ليله الاثنين لليلة خلت من ذي الحجة خلى سبيله ، فذهب فاختفى ، فلما رأى أصحاب إبراهيم وقواده ان حميدا قد نزل في ارحاء عبد الله بن مالك ، تحول عامتهم اليه ، وأخذوا له المدائن ، فلما رأى ذلك إبراهيم ، اخرج جميع من عنده حتى يقاتلوا ، فالتقوا على جسر نهر ديالى ، فاقتتلوا ، فهزمهم حميد ، فقطعوا الجسر ، فتبعهم أصحابه حتى أدخلوهم بيوت بغداد ، وذلك يوم الخميس لانسلاخ ذي القعدة . فلما كان يوم الأضحى امر إبراهيم القاضي ان يصلى بالناس في عيساباذ ، فصلى بهم فانصرف الناس ، واختفى الفضل بن الربيع ، ثم تحول إلى حميد ، ثم تحول علي بن ريطة إلى عسكر حميد ، وجعل الهاشميون والقواد يلحقون بحميد واحدا بعد واحد ، فلما رأى ذلك إبراهيم اسقط في يديه ، فشق عليه . وكان المطلب يكاتب حميدا على أن يأخذ له الجانب الشرقي ، وكان سعيد ابن الساجور وأبو البط وعبدويه وعده معهم من القواد يكاتبون علي بن هشام ، على أن يأخذوا له إبراهيم ، فلما علم إبراهيم بأمرهم وما اجتمع عليه كل قوم من أصحابه ، وانهم قد احدقوا به ، جعل يداريهم ، فلما جنه الليل اختفى ليله الأربعاء لثلاث عشره بقيت من ذي الحجة سنه ثلاث ومائتين ، وبعث المطلب إلى حميد يعلمه انه قد احدق بدار إبراهيم هو وأصحابه ، فإن كان يريده فليأته . وكتب ابن الساجور وأصحابه إلى علي بن هشام ، فركب حميد من ساعته ، وكان نازلا في ارحاء عبد الله ، فاتى باب الجسر ، وجاء علي بن هشام حتى نزل نهر بين ، وتقدم إلى مسجد كوثر ، وخرج اليه ابن الساجور وأصحابه ، وجاء المطلب إلى حميد ، فلقوه بباب الجسر ، فقربهم ووعدهم ونبأهم ان يعلم المأمون ما صنعوا ، فاقبلوا إلى دار إبراهيم ، وطلبوه فيها فلم يجدوه ، فلم يزل إبراهيم متواريا حتى قدم المأمون وبعد ما قدم ، حتى كان من امره ما كان