محمد بن جرير الطبري
561
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
ظهروا على شيء احرقوه فلما رأى ذلك رؤساء أهل الكوفة ، أتوا سعيدا وأصحابه ، فسألوه الأمان للعباس بن موسى بن جعفر وأصحابه ، على أن يخرج من الكوفة ، فاجابوهم إلى ذلك ، ثم أتوا العباس فاعلموه ، وقالوا : ان عامه من معك غوغاء ، وقد ترى ما يلقى الناس من الحرق والنهب والقتل ، فأخرج من بين أظهرنا ، فلا حاجه لنا فيك فقبل منهم ، وخاف ان يسلموه ، وتحول من منزله الذي كان فيه بالكناسة ، ولم يعلم أصحابه بذلك ، وانصرف سعيد وأصحابه إلى الحيرة ، وشد أصحاب العباس بن موسى على من بقي من أصحاب سعيد وموالي عيسى بن موسى العباسي ، فهزموهم حتى بلغوا بهم الخندق ، ونهبوا ربض عيسى بن موسى ، فاحرقوا الدور ، وقتلوا من ظهروا به فبعث العباسيون ومواليهم إلى سعيد يعلمونه بذلك ، وان العباس قد رجع عما كان طلب من الأمان فركب سعيد وأبو البط وأصحابهما حتى أتوا الكوفة عتمه ، فلم يظفروا بأحد منهم ينتهب الا قتلوه ، ولم يظهروا على شيء مما كان في أيدي أصحاب العباس الا احرقوه ، حتى بلغوا الكناسة ، فمكثوا بذلك عامه الليل حتى خرج إليهم رؤساء أهل الكوفة ، فاعلموهم ان هذا من عمل الغوغاء ، وان العباس لم يرجع عن شيء فانصرفوا عنهم . فلما كان غداه الخميس لخمس خلون من جمادى الأولى ، جاء سعيد وأبو البط حتى دخلوا الكوفة ، ونادى مناديهم : امن الأبيض والأسود ، ولم يعرضوا لأحد من الخلق الا بسبيل خير ، وولوا على الكوفة الفضل بن محمد بن الصباح الكندي ، من أهلها فكتب إليهم إبراهيم بن المهدى يأمرهم بالخروج إلى ناحية واسط ، وكتب إلى سعيد ان يستعمل على الكوفة غير الكندي ، لميله إلى أهل بلده ، فولاها غسان بن أبي الفرج ، ثم عزله بعد ما قتل أبا عبد الله أخا أبى السرايا ، فولاها سعيد ابن أخيه الهول ، فلم يزل واليا عليها حتى قدمها حميد ابن عبد الحميد ، وهرب الهول منها ، وامر إبراهيم بن المهدى عيسى بن محمد ابن أبي خالد ان يسير إلى ناحية واسط على طريق النيل ، وامر ابن عائشة الهاشمي ونعيم بن خازم ان يسيرا جميعا ، فخرجا مما يلي جوخى ، وبذلك