محمد بن جرير الطبري

551

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ذكر خبر خروج المطوعة للنكير على الفساق وفي هذه السنة تجردت المطوعة للنكير على الفساق ببغداد ، ورئيسهم خالد الدريوش وسهل بن سلامه الأنصاري أبو حاتم من أهل خراسان . ذكر الخبر عن السبب الذي من اجله فعلت المطوعة ما ذكرت : كان السبب في ذلك ان فساق الحربية والشطار الذين كانوا ببغداد والكرخ آذوا الناس أذى شديدا ، وأظهروا الفسق وقطع الطريق وأخذ الغلمان والنساء علانية من الطرق ، فكانوا يجتمعون فيأتون الرجل ، فيأخذون ابنه ، فيذهبون به فلا يقدر ان يمتنع ، وكانوا يسألون الرجل ان يقرضهم أو يصلهم فلا يقدر ان يمتنع عليهم ، وكانوا يجتمعون فيأتون القرى ، فيكاثرون أهلها ، ويأخذون ما قدروا عليه من متاع ومال وغير ذلك ، لا سلطان يمنعهم ، ولا يقدر على ذلك منهم ، لان السلطان كان يعتز بهم ، وكانوا بطانته ، فلا يقدر ان يمنعهم من فسق يركبونه ، وكانوا يجبون المارة في الطرق وفي السفن وعلى الظهر ويخفرون البساتين ، ويقطعون الطرق علانية ، ولا أحد يعدو عليهم ، وكان الناس منهم في بلاء عظيم ، ثم كان آخر امرهم انهم خرجوا إلى قطربل ، فانتهبوها علانية ، وأخذوا المتاع والذهب والفضة والغنم والبقر والحمير وغير ذلك ، وادخلوها بغداد ، وجعلوا يبيعونها علانية ، وجاء أهلها فاستعدوا السلطان عليهم ، فلم يمكنه أعداؤهم عليهم ، ولم يرد عليهم شيئا مما كان أخذ منهم ، وذلك آخر شعبان . فلما رأى الناس ذلك وما قد أخذ منهم ، وما بيع من متاع الناس في أسواقهم ، وما قد أظهروا من الفساد في الأرض والظلم والبغى وقطع الطريق ، وان السلطان لا يغير عليهم ، قام صلحاء كل ربض وكل درب ، فمشى بعضهم إلى بعض ، وقالوا : انما في الدرب الفاسق والفاسقان إلى العشرة ، وقد غلبوكم وأنتم أكثر منهم ، فلو اجتمعتم حتى يكون امركم واحدا ، لقمعتم هؤلاء