محمد بن جرير الطبري
493
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وكتب يوم الأحد لأربع بقين من المحرم سنه ثمان وتسعين ومائه . وذكر عن محمد المخلوع انه قبل مقتله ، وبعد ما صار في المدينة ، ورأى الأمر قد تولى عنه ، وأنصاره يتسللون فيخرجون إلى طاهر ، قعد في الجناح الذي كان عمله على باب الذهب - وكان تقدم في بنائه قبل ذلك - وامر باحضار كل من كان معه في المدينة من القواد والجند ، فجمعوا في الرحبه ، فأشرف عليهم ، وقال : الحمد لله الذي يرفع ويضع ، ويعطى ويمنع ، ويقبض ويبسط ، واليه المصير احمده على نوائب الزمان ، وخذلان الأعوان ، وتشتت الرجال ، وذهاب الأموال ، وحلول النوائب ، وتوفد المصائب ، حمدا يدخر لي به اجزل الجزاء ، ويرفدنى أحسن العزاء واشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له كما شهد لنفسه ، وشهدت له ملائكته ، وان محمدا عبده الأمين ، ورسوله إلى المسلمين ، ص ، آمين رب العالمين . اما بعد يا معشر الأبناء ، وأهل السبق إلى الهدى ، فقد علمتم غفلتي كانت أيام الفضل بن الربيع وزير على ومشير ، فمادت به الأيام بما لزمني به من الندامة في الخاصة والعامة ، إلى أن نبهتمونى فانتبهت ، واستعنتموني في جميع ما كرهتهم من نفسي وفيكم ، فبذلت لكم ما حواه ملكي ، ونالته مقدرتي ، مما جمعته وورثته عن آبائي ، فقودت من لم يجز ، واستكفيت من لم يكف ، واجتهدت - علم الله - في طلب رضاكم بكل ما قدرت عليه ، واجتهدتم - علم الله - في مساءتى في كل ما قدرتم عليه ، من ذلك توجيهى إليكم علي بن عيسى شيخكم وكبيركم وأهل الرأفة بكم والتحنن عليكم ، فكان منكم ما يطول ذكره ، فغفرت الذنب ، وأحسنت واحتملت ، وعزيت نفسي عند معرفتي بشرود الظفر ، وحرصي على مقامكم مسلحه بحلوان مع ابن كبير صاحب دعوتكم ، ومن على يدي أبيه كان فخركم ، وبه تمت طاعتكم : عبد الله بن حميد بن قحطبه ، فصرتم من التالب عليه إلى ما لا طاقه